الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
حكومة السودان ضد يوسف دفع الله
[رجوع]
نمرة القضية: م أ/ أ ن ج/106/1978
المحكمة:محكمة الإستئناف
العدد:1978

المبادئ:
  • قانون جنائي – المسئولية الجنائية – الفعل الذي ينشأ عنه ضرر تافه – المادة 54 عقوبات.
  • جلد المعلم لطالب لا يعتبر ضرراً موجباً للشكوى من الشخص العادي , ومن ثم لا يسأل المعلم مسئولية جنائية وفقاً لأحكام المادة 54 من قانون العقوبات.
    رأي معارض :
    جلد المعلم لطالب بدافع التقويم والتهذيب والإصلاح عمل مشروع ولا يشكل جريمة.
    الحكم:

    محكمة استئناف الجزيرة والنيلين

    القضاة :

      سعادة السيد وقيع الله عبد الله         قاضي محكمة الاستئناف      رئيساً

      سعادة السيد حكيم الطيب            قاضي محكمة الاستئناف      عضواً

      سعادة السيد محمد أبو زيد أحمد     قاضي محكمة الاستئناف     عضواً

                          حكومة السودان ضد يوسف دفع الله 

     م أ/ أ ن ج/106/1978

    الحكـــم

    20/11/1978 :

    القاضي حكيم الطيب :

            السيد محمد الجاك مساعد والد وولي أمر مجدي محمد الجاك مساعد البالغ من العمر أحد عشر عاماً التلميذ بالمدرسة الشمالية بنين رفاعة يقدم طلب فحص ضد قرار السيد القاضي المقيم رفاعة (الذي أيده السيد قاضي مديرية الجزيرة ب) القاضي بحفظ البلاغ.

            الوقائع يسيرة وتتحصل في أنه في يوم 9/9/1978 في المدرسة الشمالية بنين رفاعة وأثناء ساعات الدراسة شكا أحد أتراب التلميذ مجدي للمبلغ عنه مدير المدرسة أن التلميذ مجدي وتلميذين آخرين قد تفوهوا بعبارات نابية تمس كرامة ذلك التلميذ . نادى مدير المدرسة هؤلاء التلاميذ وعاقبهم بالجلد خمس جلدات لكل منهم . لم يرض هذا العقاب والد التلميذ مجدي الذي أمر إبنه بفتح بلاغ ضد المدير . عندما كشف كشفاً طبياً على التلميذ مجدي اتضح أنه مضروب على آليته . جاء في التقرير الطبي " يوجد تورم بالآليتين اليمنى والشمال " وأن المصاب يحتاج لعلاج بالعيادة الخارجية لمدة خمسة أيام.

            الأفعال التي تقع عرضاً عند عمل فعل مشروع لا تعتبر جريمة ولا يعاقب بسببها شخص . جاء في المادة 47 من قانون العقوبات (لا جريمة في فعل يقع عرضاً أو بسوء حظ وبغير علم أو قصد جنائي , أثناء عمل فعل مشروع بطريقة مشروعة وبوسائل مشروعة وبالعناية والحيطة اللازمتين).

            من أمثلة هذا النص أن يؤدب الوالد ولده بكيفية لا يقصد من ورائها إلا إيذائه إيذاء بسيطاً لغرض التأديب ومع ذلك يؤذي الابن أذى بسيطاً أو جسيماً أو يموت . أو في حالة المعلم الذي يقوم ما هو أعوج في تلميذه من سلوك ويضربه ثم يصاب التلميذ بأذى أو يتوفى (راجع راتنلال في كتابة قانون الجرائم في تعليقه على المادة 80 من قانون العقوبات الهندي التي تعادل المادة 47 من قانون العقوبات السوداني الطبعة الحادية والعشرين ص 150-151 وراجع أيضاً قانون العقوبات السوداني معلقاً عليه – الدكتور محمد محي الدين عوض) . في هذه الحالة فإن الإصابة والأذى يعتبران من قبيل العوارض وينعدم فيها القصد الجنائي والخطأ الركن المعنوي للجريمة . الجلد (التأديب) في ذاته هو إجراء أبوي تهذيبي ولكن الإصابة أو الورم (الأذى) كان عارضاً وأعني أن المعلم لم يكن غرضه إصابة التلميذ بأذى أو جسيم معروف تحت قانون العقوبات.

            في هذه الإجراءات نرى أن ابن مقدم الطلب تفوه بعبارة نابية تشتم منها رائحة الشذوذ , قالها في المدرسة وأثناء ساعات الدراسة لأحد أترابه ثم عوقب هذا الابن على آليتيه خمس جلدات . كان غرض المعلم المشكو ضده ترشيد وتقويم هذا الابن قبل أن يفلت الزمام ويستفحل الأمر وينحرف هذا الابن . ونلاحظ أن الجلد لغرض التأديب مشروع في ذاته وكان معقولاً , (خمس ضربات) ولكن ترتبت عليه نتيجة ليست متوقعة . أن واجب المعلم هو الإصلاح وتهذيب الناشئة والحق له أن يعمل ما هو معقول من وسائل لتحقيق هذا الغرض . ولا تثريب عليه أن هو جاوز الحد قليلاً بحسن نية.

            أن العقوبة البدنية (الجلد) المعقولة يندفع إليها ولي الأمر أو المعلم بدافع الضرورة في الإصلاح لا بدافع الإجرام وهذا في رأيي عمل مشروع لا يشكل جرماً وإذا وقعت إصابة قد تشكل جريمة (كحالتنا هذه) فإنها تعتبر عارضة ولا مساءلة تحت المادة 47 – عقوبات.

            أقول لمقدم الطلب , أنا بنفسك وبابنك عن الشرطة والمحاكم ولا تدخل بابنك في مثل هذه الأمور التي ستعود حتماً بالضرر لابنك في المستقبل القريب أو البعيد , هما فضلاً عن أننا كمواطنين وآباء يهمنا مستقبل هذا البلد وشبابه نربأ بأنفسنا عن التعريض بالمعلم الذي هو أب ونجرحه لأن هذا يشعره بالمرارة ويدخل اليأس في قلبه.

            أن كان يرى مقدم الطلب أن والده مظلوم , أمامه الإجراء الإداري وقد فعل السيد القاضي المقيم عن وعي وإدراك ذلك وأخطر المسئولين بوزارة التربية.

    لا أرى أملاً في قبول الطلب.

    23/11/1978:

    القاضي حكيم الطيب :

            اتفق مع الزميل العزيز في النتيجة التي توصل إليها وإن كنت اختلف معه في الأسباب.

            في رأيي أن هذا هو ليس المجال المناسب لتطبيق المادة 47 من قانون العقوبات لسببين :-

    الأول : المادة 47 – والتي أورد الزميل نصها – يشترط لتطبيقها أن يكون (الفعل الذي يأتيه الشخص بريئاً ومشروعاً وغير مؤذ بطبيعته ..) (أنظر المرجع الذي أشار إليه الزميل – محي الدين عوض ص 52) (راتنلال ص 150). وقيام شخص بجلد آخر ليس فعلاً بريئاً في أصله إنما هو – في الأساس فعل غير مشروع .. ونحن هنا في (حالة المعلم وتلميذه) إنما نبحث عن سبب لإباحته . ويتوجب هنا أن نذكر أن وزارة التربية قد حظرت – فيما هو معلوم – على المعلمين ممارسة العقاب البدني . ولو كان الفعل الذي أتاه المتهم مشروعاً أصلاً أو يقره القانون لا نطبق عليه الجزء الأول من المادة 44 عقوبات.

            الثاني : أن المادة 47 تتحدث عن الفعل الذي يقع عرضاً أو بسوء حظ accident or misfortune بحيث يحدث (ضرر غير منتظر ناجم عن سبب عارض أو سوء حظ). فالضرر هنا غير محتمل أو متوقع الحدوث في نظر الشخص العادي تبعاً للمألوف . وهو نتيجة شاذة وشاردة عن المألوف (محي الدين عوض). والأمثلة التي ساقها الزميل عبد العزيز كان عراضاً فيها , أو سوء الحظ , هو حدوث وفاة الصغير رغم ضرب والده أو معلمه – حسب المثال – له كان خفيفاً . أما في إجراءاتنا هذه فالضرر المعني هو إصابة التلميذ بأذى بسيط وهو نتيجة متوقعة , بل ومؤكدة لجلده بخرطوش الماء.

            في رأيي أن ما يعفى المتهم في هذه الإجراءات من المساءلة الجنائية هو ما تنص عليه المادة 54 عقوبات , باعتبار أن الضرر الذي حدث من التفاهة بحيث لا يشكو منه شخص عادي التفكير والطباع . صحيح أن خمس جلدات بخرطوش ماء تحدث أذى يحتاج زوال آثاره لخمسة أيام (وهذا ما فهمته من التقرير الطبي , وليس أنه يحتاج لعلاج يومي في الأيام الخمسة) صحيح أن مثل هذا الأذى لا يوصف دائماً وبداهة بأنه تافه ولكن علينا أن نلاحظ أن (التفاهة لا تقدر بمقدار الضرر الذي تحدثه الجريمة فقط وإنما بالظروف والملابسات المحيطة , فقد يتقاضى عن السرقات التي تحدث بين شقيقين أو بين الآباء والأبناء ولو كانت قيمتها على قدر من الأهمية , بينما لا يتقاضى عن دفع جندي لضابطه الأعلى بغضب لأن جسامة هذا العمل لا تقدر بمقدار الضرر أو الألم الذي تسببه الدفعة وإنما بما يدل عليه من عدم واحترام وخرق للنظم العسكرية التي تقوم على طاعة الرؤساء ومن هذا القبيل أيضاً جذب الموظف المدني رئيسه من أذنه مثلاً(محي الدين عوض)–ص75. وهذا يعني أن الذي قام بجلد المجني عليه لو كان غير معلمه أو والده لا تستحق المسائلة . وأن المعلم لو أسرف في العقاب أو استعمل فيه أسلوباً غير عادي يستحق المسائلة أيضاً.

            لهذا السبب فأني اتفق مع ما أرتاه قاضي الجنايات من أن محاسبة المتهم . مكانها الإجراءات الإدارية (وأن كنت لا اتفق معه في الزج بالمحاكم في هذا المجال – وكان عليه أن يكتفي بنصح والد المجني عليه بتقديم شكواه لجهة الاختصاص).

    22/11/1978:

    القاضي وقيع الله عبد الله :

    أوافق أخي حكيماً في الأسباب التي ساقها.