الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
الإطار القانوني العام لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة [ سيداو ]
[رجوع]
الباحث: د. أحمد المفتى
1998
نص البحث:

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإطار القانوني العام لاتفاقية

القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة [ سيداو ]

                       

[ بقلم ]

د. أحمد المفتى

 

        تأتي هذه الورقة استجابة لدعوة كريمة من الأخوة في معهد التدريب والإصلاح القانوني لإعداد ورقة للتعريف باتفاقية سيداو . ولا شك أن الموضوع يتطلب بحثاً مفصلاً إلا أن الوقت المتاح لكتابة الورقة لا يسمح إلاَّ بتناول موجز رأينا أن نحصره في الموضوعات المحددة الواردة في هذه الورقة وهى ما نحسب أنه أكثر الجوانب أهمية . كما رأينا أن نحصر تناولنا في كليات الأمور دون الدخول في التفاصيل.

1 -  التطور التاريخي لحقوق الإنسان في الغرب :

        النظام الدولي لحقوق الإنسان مساهمة فكرية غربية وإن شاركت في صياغته دول أخرى . ولقد بدأ التاريخ الحديث لحقوق الإنسان في الغرب بطرح شعارات الحرية والمساواة والديمقراطية منذ القرن الخامس عشر الميلادي . وعلى الرغم من أن تلك الشعارات لم تكن تحمل مضموناً محدداً كما هو الحال اليوم إلا أن أثرها العلمي كان كبيراً جداً في تحريك الثورات السياسية والاجتماعية التي اجتاحت الغرب رافضة لحكم الإقطاع والقوة العسكرية والمؤسســة الكنسية التي استغلت الدين لتحقيق أهداف سياسية . وبالإضافة إلى عمومية مفهوم تلك الشعارات فإنها كانت مقصورة على الرجل الأبيض دون سواه ، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تحمل الدول الغربية السلاح  مستعمرة لدول العالم دون مراعاة لحق الإنسان في تلك الدول.

        استمر ذلك المفهوم القاصر لحقوق الإنسان حتى بعد أن انحسر المد الاستعماري لأسباب معلومة ، بل أن وجهاً آخر من أوجه القصور قد ظهر متمثلاً هذه المرة في الاهتمام والتركيز على حقوق الأقليات على حساب الحقوق الأخرى وذلك لحماية الأقليات العرقية والدينية والثقافية التي خلفها الاستعمار بعد انحساره. ولقد تعرضت الدولة الإسلامية في تركيا آنذاك إلى هجوم شديد بدعوى انتهاكها لحقـوق الأقليات فـي منطقتي البلقان والشام ،  ولقد تصاعد ذلك الهجوم حتى وصل مرحلة المواجهة المسلحة التي أدت في نهاية المطاف إلى سقوط الدولة الإسلامية.

       تواصلت تلك النظرة القاصرة وذلك الاستغلال المتعمد لحقوق الإنسان من قبل الدول الغربية لخدمة مصالحها الخاصة وذلك عندما بدأت احتجاجات الطبقة العاملة في الثورة الصناعية والتي انتظمت أوروبا مطالبة بزيادة الأجور وتقليل ساعات العمل وتحسين بيئته ومهددة بثورة اجتماعية تجهض كل النجاحات المادية التي حققها الغرب ، إذ أنه ولمجابهة ذلك الاحتجاج اعترف الغرب بحقوق العمال باعتبارها مجموعة جديدة من حقوق الإنسان تضاف إلى حقوق الأقليات . ولذلك فإن منظمة العمل الدولية قد أنشئت قبل آليات الأمم المتحدة العاملة في مجال حقوق الإنسان التي نعرفها اليوم.

          ولذلك يمكن القول بأن استغلال حقوق الإنسان قد ارتبط بها طوال مراحل تطورها ونؤكد بأن الأمر قد استمر كذلك حتى يومنا هذا . وفي تقديرنا أن السبب في ذلك يرجع إلى ضعف البعد الأخلاقي لحقوق الإنسان وعدم بلورته والاهتمام به لأن الغرب لا يحبذ أي ارتباط بين حقوق الإنسان والدين خوفاً من استغلال الدين في العمل السياسي على نحو ما كان يحدث في العصور الوسطى ولكن ليس رفضاً للدين من حيث المبدأ . ولكن وفي ذات الوقت فإن ذلك الواقع ينبغي أن لا يتخذ مبرراً لرفض حقوق الإنسان وإنما ينبغي حصر الرفض فيما يحدث من استغلال.

وتشمل الوسائل التي اعتمدها الغرب استغلالا لحقوق الإنسان لتحقيق مصالحه الآتي :

(أ )  القوة العسكرية.

(ب)  الانتقائية في مجال حقوق الإنسان والتي لم تحظر إلا عام 1993م بموجب إعلان فينا.

(ج)  اقتصار حقوق الإنسان على الرجل الأبيض في المرحلة السابقة لإجازة ميثاق الأمم المتحدة وعدم الاعتراف بعالمية حقوق الإنسان.

             ولقد أثبت الواقع عدم جدوى ذلك حيث أن العالم قد شهد حربين عالميتين مدمرتين أجهضتا كل الرفاء والاستقرار الذي كان يتمتع به الغرب وسقط ملايين الضحايا ودمرت مدن بأكملها وذاقت الدول الغربية بأس بعضها البعض . ولذلك فكر الغرب في تأسيس نظام عالمي جديد بموجب ميثاق الأمم المتحدة يوفر الأمن والاستقرار ويجنب العالم الحروب العالمية التي تهدد الغرب أكثر من سواه خاصة وأن المعسكرين الغربي والشرقي اللذين انتصرا في الحرب العالمية الثانية قد استشعرا أن المواجهة العسكرية بينهما احتمال كبير وقائم بعد أن اقتسما ألمانيا بالقوة العسكرية وتم الفصل بين القوات بحائط برلين الشرقية . وتتلخص مقاصد النظام العالمي الجديد في الآتي :

(أ )  عدم مشروعية استخدام القوة العسكرية إلا دفاعاً عن النفس أو بواسطة مجلس الأمن.

(ب)  احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

(ج)  المساواة.

(د)  عدم التمييز بسبب الجنس أو خلافه.

(هـ)  عالمية حقوق الإنسان.

(و)  التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان.

ونلاحظ بأنه لم ترد أي تفاصيل فيما يتعلق بمفردات حقوق الإنسان والحريات الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة ، وقد ترك ذلك الأمر لمرحلة لاحقة . ولقد تدرج العالم في فهمه لتفاصيل تلك الحقوق والحريات بدءً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م الذي جمع كل الحقوق والحريات الأساسية دون اعتماد أي نوع من التقسيم وبموجب العهدين الدوليين لحقوق الإنسان اللذين سرى مفعولهما في عام 1976م تكملة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان قسمت الحقوق والحريات الأساسية إلى نوعين : النوع الأول هو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنوع الثاني هو الحقوق المدنية والسياسية.

2 -  سيداو عبارة عن تفاصيل لمبادئ تم الاتفاق عليها :

لقد توالي تفصيل حقوق الإنسان والحريات الأساسية في وثائق لاحقة مثل اتفاقية حقوق الطفل وخلافها. أما سيداو فهي عبارة عن تفاصيل لمبادئ المساواة وعدم التمييز بسبب الجنس التي قبلت دون تحفظ من جميع الدول وضمنت في أهم وثائق دولية وهى ميثاق الأمم المتحدة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ولذلك فإن الرفض المطلق لسيداو هو رفض غير مباشر لتلك المبادئ التي يقوم عليها النظام العالمي كله.

3 -  سيداو تضييق لنطاق المبادئ التي وردت مطلقة :

      كما لاحظنا أعلاه فإن مبادئ المساواة وعدم التمييز بسبب الجنس التي تقوم عليها سيداو قد وردت مجملة وبصورة مطلقة في ميثاق الأمم المتحدة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان . أما سيداو فإنها قد عرفت عدم التمييز بسبب الجنس بصورة ضيقت من نطاقه وأصبح التمييز بسبب الجنس الممنوع بموجب سيداو هو ذلك النوع من التمييز الذي يجهض تمتع الأشخاص بحقوقهم وحرياتهم الأساسية ، أما ذلك النوع من التمييز الذي يعطي المرأة مزايا تناسب طبيعتها مثل إجازة الموضوع وساعات الرضاعة فإنه أصبح تمييزاً مشروعاً بموجب سيداو باعتباره تمييزاً إيجابياً . ولذلك فإنه لا يستقيم قبول مبادئ المساواة وعدم التمييز بسبب الجنس التي وردت مطلقــة ورفض سيـداو التي قيدت ذلك الإطلاق على نحو ما أوضحناه.

4 -  إلزامية مواثيق حقوق الإنسان :

        من ناحية عامة فإن الاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها الدول بوساطة مجالسها التشريعية ملزمة ، ليس ذلك فحسب بل أنه لا يجوز الاحتجاج بالقوانين الوطنية لتبرير عدم الوفاء بالالتزامات الدولية حسبما ورد في المادة 27 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات . أما فيما يتعلق بمواثيق حقوق الإنسان فإن طبيعة الإلزام تختلف كثيراً ويمكن تصنيفها بصفة عامة على النحو التالي :

(أ )  رفع تقارير دورية إلى الهيئة المنشأة بموجب الميثاق الدولي ومن ثم مناقشة ذلك التقرير مع الهيئة التي تصدر ملاحظاتها بعد النقاش ، وعلى الدولة متابعة الوفاء بما ورد في تلك الملاحظات والإفادة حول ذلك عند تقديم التقرير التالي.

       (ب)  إعطاء المواطنين الحق في تقديم شكاوي فردية للهيئة المنشأة بموجب الميثاق لتبت تلك الهيئة في الشكاوى الفردية وإصدار قرارات ملزمة ، وهذا النوع من الإلزام يكون اختيارياً كما هو الحال في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيث أن السودان لم يوافق حتى تاريخه على إعطاء الهيئة الحق في نظر الشكاوى الفردية التي تقدم ضده بموجب ذلك العهد.

      (ج)  اللجوء إلى التحكيم أو إلى محكمة العدل الدولية وقد ورد ذلك صراحة في اتفاقية سيداو ، علماً بأنها قد نصت كذلك على أنه يجوز للدول التحفظ على إحالة النزاعــات بموجب الاتفاقية إلى التحكيم أو إلى محكمـــة العـــدل الدوليـة.

        ومهما يكن من أمر فإن عدم الوفاء ، بالالتزامات الواردة في مواثيق حقوق الإنسان ليس بالأمر اليسير مهما بلغت درجة ضعف الإلزام إذ قد ترتبت عليه آثار عملية سالبة كثيرة من بينها وقف التمويل الدولي كما حدث للسودان الذي جمدت مستحقاته بموجب اتفاقية لومي بسبب حقوق الإنسان.

5 - التحفظ على اتفاقية سيداو :

إن موضوع التحفظ على بعض بنود الاتفاقية الدولية أمر شائك ويكتنفه تعقيد كثير ولذلك أوردت اتفاقية فينا لقانون المعاهدات فصلاً كاملاً من المادة 19 وحتى المادة 23 ، كما أفردت له اتفاقية سيداو نصوصاً محددة حيث أنها قد سمحت بالتحفظ فيما يتعلق بإحالة النزاع إلى التحكيم أو إلى محكمة العدل الدولية وفي ذات الوقت منعت أى تحفظ يتعارض مع أهداف الاتفاقية وأغراضها . ونلاحظ أن نص سيداو المتعلق بالتحفظ يتوافق مع النصوص التي أوردتها اتفاقية فينا لقانون المعاهدات حول التحفظات.

      ولقد تحفظت دول إسلامية عديدة على سيداو لتعارض بعض موادها مع الشريعة الإسلامية ،  ولذلك فإننا نرى أن الموقف الأحوط هو الاعتراف بوجود تعارض بين بعض مواد الاتفاقية والشريعة الإسلامية ،  أما حجم التعارض وتفاصيله فإنه لا يغير من ذلك ويخرج من دائرة اهتمام هذه الورقة التي تعني بالكليات . ولقد تباينت مواقف الدول الإسلامية على النحو التالي :

(أ )  التحفظ على بعض موادها باعتبارها تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

(ب)  رفض الاتفاقية على اعتبار أن بعض موادها تتعارض مع الشريعة الإسلامية وانه لا يجوز ،  وفقاً لنص الاتفاقية التحفظ على تلك المواد لأنها تتعلق بأهداف الاتفاقية وأغراضها.

        (ج)  قبول الاتفاقية دون تحفظ يتعلق بتعارضها مع الشريعة الإسلامية على أساس أنه لا يوجد تعارض.

وفي تقديرنا أن الموقف المناسب هو التحفظ على المواد التي يعتقد بأنها تتعارض مع الشريعة الإسلامية على أساس أنها مواد تتعارض مع الحرية الدينية التي كفلتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، وبالإضافة إلى ذلك التحفظ على الإحالة إلى التحكيم أو محكمة العدل الدولية وهو تحفظ مسموح به ، ونوضح بأن صياغة التحفظ اعتماداً على الحرية الدينية سوف يصمد أمام أي حجة بأن التحفظ يتعارض مع أهداف الاتفاقية وأغراضها ، أما رفض الاتفاقية جملة وتفصيلاً فإنه خيار يدخل الدولة في تناقضات لأن مبادئ المساواة و عدم التمييز بسبب الجنس التي أسست عليها الاتفاقية هي مبادئ مضمنة في ميثاق الأمم المتحدة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان ودستور السودان لسنة 1998م . ومن ناحية أخرى فإن إسناد التحفظ إلى التعارض مع الحرية الدينية أفضل من الإسناد إلى التعارض مع الشريعة الإسلامية وذلك للأسباب التالية :

(أ )  الحرية الدينية تشمل الشريعة الإسلامية.

(ب)  الحرية الدينية معيار دولي تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

       (ج)  يوجد بالسودان عدد مقدر من غير المسلمين تعنيهم الحرية الدينية ولكن لا تعنيهم الشريعة الإسلامية.

وفي الختام فإن رؤيتنا لحقوق الإنسان تتمثل في أنها مجموعة من القيم الكريمة التي تواضعت عليها كل دول العالم وأسست عليها النظام العالمي الجديد المضمن في ميثاق الأمم المتحدة . ولقد حرص الغرب على النأي بحقوق الإنسان عن الدين بسبب تجربته التاريخية السالبة عندما تم استغلال الدين لمنح الشرعية لتجاوزات الأباطرة وأمراء الإقطاع ، ولذلك نلاحظ بأن ميثاق الأمم المتحدة والشرعة الدولية قد تمت صياغتها لتعبر عن ذلك الموقف . ولكن مما لا شك فيه أن الأديان السماوية وكريم المعتقدات هي الأساس الفقهي والأخلاقي لحقوق الإنسان ، وهى التي تقوي مشروعيتها وعاميتها التي تتجاوز الحدود السياسية والسيادة الوطنية ، وبالإضافة إلى ذلك فإن إيجابيات البعد الديني والأخلاقي تشمل ما يلي :

(أ )  توسيع نطاق كل حق من حقوق الإنسان.

(ب)  تعميق مفهوم للحقوق والحريات.

(ج)  يصبح الالتزام بها أقوى من الالتزام القانوني.

(هـ)  وجود العقوبة الأخروية يجعل الالتزام بها لا يعتمد على وجود آليات الرقابة وحدها .

        إن اجتماعات مناقشة التقارير الدورية للدول التي تقدم بموجب المواثيق الدولية المختلفة ، وكذلك اجتماعات المحافل القانونية التي تعمل على صياغة معايير جديدة لحقوق الإنسان أو تعديل المعايير السائدة تتيح فرصاً كبيرة للتأثير الإيجابي على النظام الدولي لحقوق الإنسان ،  ونلاحظ أن المجتمع الدولي الذي اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م هو المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تسعى شعوب العالم لبلوغه سرعان ما اكتشف أن الجهـد الفكري البشري قاصر ولا قبل له بوضع تصور يستوعب مستقبل العالم . ولذلك لم يكد يجف المداد الذي كتب به الإعلان العالمي حتى ظهرت الحاجة إلى مواثيق إضافية تعيد ترتيب الحقوق والحريات التي وردت به وتفصلها وتضيف إليها ، ولذلك فإننا نرى أنه توجد قابلية لدى النظام الدولي لحقوق الإنسان للاستفادة من أي تصور يؤدي إلى تقوية حقوق الإنسان وأنه لا بد من العمل على استغلال تلك القابلية لطرح تصورنا الديني والأخلاقي.

       إن سيداو تمثل في تقديرنا جهداً بشرياً لمساواة المرأة بالرجل آخذة في الاعتبار الفوارق الطبيعية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، ولكن ذلك الجهد البشري قاصراً بطبيعته وسوف يظل قاصراً ويقع العبء على المسلمين لبلورة المساواة التي وردت في الشريعة الإسلامية والترويج لها باعتبارها الوضع الأفضل لكل المجتمعات بغض النظر عن الدين الذي تدين به . وعلى الرغم من طول هذا الطريق ومشقة السير فيه إلاَّ أننا نرى أن أي خطوة تتخذ فيه هي خطوة في الاتجاه الصحيح.