الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
شرط التحكيم البحــري في سياق التحكيم الدولي
[رجوع]
الباحث: الأستاذ/ عثمان محمد الشريف - المحامي
2001
نص البحث:

 

ماهية التحكيم :

 

التحكيم هو أن يحكم متخاصمون شخصاً أو آخر للحكم فيما بينهم من نزاع بمعني أن يمنح المتخاصمون المحكم أو المحكمين ولاية للحكم أو القضاء في ما هم متنازعون فيه .والتحكيم  - في فقه القانون - بمثابة تنازل كامل من حق المواطن في اللجوء إلى المحاكم واختيار - برضاء تام وإرادة حره - للتحكيم دون المحكمة المختصة بفض النزاع.  والتحكيم على وجه النظر للفقه الإنجليزي يختلف عن المقاضاة أمام المحاكم بحسبان أن إجراءاته ليست حقاً مقرراً في القانون لأي من المتقاضين وإنما هو حق يتفق عليه الأطراف. وإجراءات التحكيم أقل تكلفة وأكثر سرعة من إجراءات المحاكم وأقل رسمية وكثيراً ما يتأسس قرار التحكيم على المستندات فقط دون سماع البينات. وهو كذلك أكثر سرية لكونه ليس قابلاً للنشر كأحكام القضاء . أنظر ص 321 من كتاب نقل البضائع بالبحر لمؤلفه البروفيسور جون ولسن . فضلاً عن ميزة السرية  Confidentiality فلقد قضت السوابق الإنجليزية أن التحكيم يملي واجباً ضمنياً بعدم الكشف عن الأطراف والمستندات وحكم التحكيم مما يؤكد السرية.

وللتحكيم كذلك ميزة المرونة والتكيف مع الوضع المطلوب Adaptability  حيث أنه لمن المتاح للأطراف والمحكمين وضع الإجراءات والشروط والضوابط مما يختلف عن المقاضاة أمام المحاكم. وميزة انتهائية حكم التحكيم Finality  على نحو ما يحاوله قانون التحكيم الإنجليزي لسنة 1996م وعلى نحو ما تسعى إليه قوانين كثير من البلدان . وميزة النفاذ Enforceibility  على نحو ما رمت إليه اتفاقية نيويورك وتطبيقات المحاكم بالدول المنضمة إلي هذه الاتفاقية . أنظر ما قاله المحامي ريتشارد ريان تحت عنوان: تنفيذ اتفاقات وأحكام التحكيم الأجنبية في منازعات غطاء التأمين.

“Enforcement of Foreign Arbitration Agreements and Awards in Insurance Coverage Dispute”

بالموقـــــع :  http.//www.mcandl.com/arbitration.htm

ضرورة التحكيم لا يكاد يختلف حولها إثنان فهو بجانب أنه مجال لالتماس الحقوق واستصدار حكم بشأنها فانه يدور وجوداً وعدماً مع المقاضاة فلقد قيل أنه حيثما لم يكن التحكيم ممكناً فان المقاضاة أمام المحاكم لا تكون كذلك ممكنة.

“Failure to Arbitrate Does Not Allow Litigation Instead

 

ليس التحكيم انتقاصاً من سيادة أو هيبة المحاكم بقدر ما هو خيار أتاحه القانون للخصوم في ألا يلجأوا للمحكمة المختصة للنظر والفصل في ما بينهم من نزاع نظراً لسهولة إجراءات التحكيم وقصر مدة التقاضي ولما قد يكون مطلوباً من خبرات ليس في فض النزاع وحسب ، بل خبرات علمية أو فنية تمكن المحكم من حسم المنازعة على نحو أعجل مما قد يستغرقه النزاع من وقت أمام المحاكم.

 

ومما ميز التحكيم أنه يتيح لأطراف التحكيم حق اختيار مكان التحكيم ولهذا نجد أن شرط التحكيم الدولي لا يخلو من تحديد مكان التحكيم . فإذا كان المكان بلداً آخر ، فإن هذا الاختيار اختيار لاختصاص خارجي.

 

والتحكيم لا يعنــي الصلـح لأن الصلح كعقــد أو اتفاق منهٍ فـي حــد ذاته للخصومة . كما أن تقـرير الخبير كالمساح البحري مثلاً  marine surveyor  ليس بحكم أو قرار تحكيم حتى ولو كان تقريراً بمسح مشترك joint marine survey  . وذلك لأن الأطراف المتنازعة لا تخول المساح أو هيئة مساحين مشتركة حق الفصل القضائي فيما هم متنازعون فيه. المحكم أو المحكمون  - وفي كل الشرائع والقوانين-  بمثابة جهة قضائية ولا تكون لهم السلطة القضائية للفصل في المنازعات إلا باتفاق الأطراف اتفاقاً يرتضيه القانون ويقره على نحو ما هو سائد الآن في سائر بلدان العالم.

 

القانون السوداني يذهب بعيداً حينما ينص على سلطة للمحاكم في التوفيق  Conciliation بين الخصوم ، والقانون السوداني ليس متفرداً في هذا الجانب إذ أن هناك قوانين دول أخرى تنظم مسألة التوفيق وتحض عليها. والقانون السوداني بجانب احترامه واعترافه التام لإرادة الخصوم إذا أرادوا التحكيم أو كانوا من قبل قد اتفقوا عليه ، فانه يحث المحاكم على تسوية النزاعات عن طريق التوفيق ، وهو إجراء يبادر به القاضي ويشير به على الخصوم ويشجعهم عليه حسماً للنزاعات بالحسنى وبعيداً عن حسمها بأحكام القضاء.   

 

حجية أو نفاذ حكم التحكيم:

 

ومع ذلك ، فإن قرارات المحكمين تحتاج إلى قوة النفاذ التي تتمتع بها أحكام المحاكم . وفي هذا المجال نجد أن القانون السوداني قد نص على إجراءات معينه لصيرورة قرار المحكمين حكماً قضائياً واجب النفاذ . بمعنى أن قرار المحكمين -  في نظر القانون السوداني  -ليس حكماً واجب النفاذ فور صدوره ، فهو حسبما تقضي به أحكام الفصل الرابع من قانون الإجراءات لسنة 1983م قرار قابل للأخذ والرد أمام محكمة أول درجة ، ولا يصبح حكماً واجب النفاذ إلا بقرار من المحكمة.  

 

القانون الإنجليزي في سعيه لجعل حكم المحكمين نهائياُ بدرجة كبيرة ، قد خلص في قانون 1979م لتأكيد أن حكم المحكمين غير خاضع للإجازة بوساطة المحكمة . حكم المحكمين تحت ظل قانون 1979م يمكن الطعن فيه بالاستئناف أمام المحكمة فيما يتعلق بالمسائل القانونية بتوفر أحد الشرطين: موافقة أطراف التحكيم أو إذن المحكمة leave of the court - المرجع أعلاه ص 234. 

 

أما قانون الولايات المتحدة الفدرالي فقد صدر مشجعاً على إنفاذ شرط التحكيم حيثما ثبت مؤكداً قبول وتنفيذ حكم التحكيم . بالإضافة إلى تأكيده على انتهائية بدرجة كبيرة لحكم التحكيم. وكلا القانونين المذكورين لا يخضع حكم التحكيم إلا لطعن مشروط بموافقة أطراف التحكيم أو إذن المحكمة الذي لا يمنح إلا في حالات الإخلال بالقانون فقط . قوانين مصر وبعض بلدان أخرى تضفي على قرار المحكمين قوة الحكم القضائي إذا لم تقدم ضده دعوى البطلان مما يساعد في تنفيذه على نحو أعجل مما عليه القانون السوداني.

 

ودعوى البطلان على ضوء القانون المصري حق خاص لمن لم يقبل حكم التحكيم فضلاً عن أنه يجب أن تقام في فترة 90 يوماً من إيداع حكم التحكيم . وحكم المحكمين من الجانب الآخر منه للخصومة والمحكمة المصرية لا تفعل شيئاً بازائه أكثر من إعلانه حكماً قضائياً إذا لم تقم ضده دعـوى البطلان  - انظر الباب السادس من قانون التحكيم المصري . فيما لا يجعل القانون السوداني الساري الآن من حكم المحكمين إلا قراراً موقوفاً على الإجازة بوساطة المحكمة لتصدره حكماً.

هناك مشروع لقانون التحكيم السوداني  -أعده قاضي المحكمة العليا السيد / حسين عوض أبو القاسم ، وقد منح هذا المشروع قرار المحكمين قوة نفاذ إذا صدقت عليه المحكمة. وبالنظر إلى هذا المشروع ، نجد أنه لا ينص على نفاذ حكم المحكمين بمجرد انقضاء مدة الطعن فيه بدعوى البطلان كما هو الحال في القانون المصري . بل يخضع المشروع قرار المحكمين للطعن ضده بالبطلان أمام المحكمة التي أناط بها المشروع سلطة التصديق على حكم المحكمين . كما نص على أن حكم المحكمين لا يكون منه للخصومة إلا بعد التصديق عليه بوساطة المحكمة المشرفة.

 

وكما اهتم المجتمع الدولي بإمكانية تنفيذ أحكام المحاكم الأجنبية في بلد آخر على وفق ما جاء في اتفاقية الاختصاص وتنفيذ الأحكام المدنية والتجارية Convention On Jurisdiction and Enforcement of Judgments in Civil and Commercial Cases. ، نجد ذات الاهتمام بتنفيذ أحكام المحكمين من بلد إلى آخر بغرض توحيد قواعد للاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الأجانب ، وذلك على نحو ما جاء في اتفاقية جنيف لتنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية لسنة 1927م الموقعة في جنيف.Geneva  Convention the Execution of Foreign Arbitral Awards 1927 . واتفاقية نيويورك للاعتراف وتنفيذ قرارات المحكمين الأجانب الموقعة بنيويورك في العاشر من يونيو 1958م  “Convention on the Recognition and Enforcement of Foreign Arbitral Awards made in New York 10th June 1958 ” 

 

أنظر الموقع بشبكة المعلومات:

http://uncitral.org/english/rexts/arbitration/ny-conv.htm

 

ولقد استجاب كثير من الدول لما طرحته اتفاقية نيويورك فسارعت بإصدار تشريعات بقوانين موضوعية للتحكيم تؤكد الاعتراف باتفاقيات وشروط التحكيم وتنص على انتهائية اكبر على حكم التحكيم بحيث يمكن تنفيذه دولياً كما تنفذ أحكام المحاكم.

وأعدت اللجنة الاقتصادية الأوروبية التابعة للأمم المتحدة مشروع الاتفاقية الأوربية للتحكيم التجاري الدولي التي أجازها مؤتمر عقد في جنيف في الفترة من أبريل 10 - 20 أبريل 1961وقد ضم 22 دولة . ولقد أصبحت هذه الاتفاقية نافذة في 7/1/1964م مؤلف الدكتور احمد حسني " عقود إيجار السفن  " ص 297.

أما في مجال الاستثمار الدولي فلقد جاءت اتفاقية واشنطن لسنة 1965م بشأن تسوية منازعات الاستثمار بين الدول والمواطنين وبينها وبين الدول الأخرى . وفي شأن توجيه قواعد التحكيم نجد اتفاقية ستراسبورج الأوربية بشأن قواعد التحكيم الموحد.

 

وفيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي العلمي أو الفني نجد اتفاقية مويلو لسنة 1972م بشأن تسوية المنازعات الناشئة من التعاون الاقتصادي ، العلمي أو الفني . وقبل اعتماد قواعد يونسترال للتحكيم فلقد أخذت لجنة التجارة التابعة للأمم المتحدة في اعتبارها:

1- قواعد التحكيم للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لاوربا لسنة 1966م.

2- قواعد التحكيم التجاري الدولي للجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لاسيا والشرق الأقصى لسنة 1966م.

3- قواعد غرفة التجارة الدولية لسنة 1975م.

4- قواعد جمعية التحكيم الأمريكية.

5- قواعد لجنة التحكيم للتجارة الخارجية بغرفة التجارة للاتحاد السوفيتي بموسكو.

 

أنظر ص 298 و299 من مؤلف الدكتور احمد حسني المشار إليه أعلاه.

 

ما سبق كان وما يزال جهداً دولياً لإيجاد حجية لحكم التحكيم . ليس ذلك فحسب بل أن مسعى توحيد القواعد قد تطور لخلق التزام قانوني يرتب على أطراف التحكيم باعتراف وتنفيذ سائر أوامر هيئة التحكيم كمحكمة قائمة بذاتها وبما في ذلك سلطة إصدار التدابير الوقتية لحفظ المال موضوع النزاع.

 

 

علاقة المحكمة المختصة والتحكيم الدولي:

 

علاقة المحكمة المختصة بالتحكيم الدولي تدور وجوداً وعدماً مع القانون الموضوعي للتحكيم . فقد يكون من سلطة المحكمة المختصة بالإشراف على التحكيم للتأكد من سلامة أداء المحكمين وقد يمنحها القانون الواجب التطبيق النظر في أي مسألة يحيلها إليها المحكمون . ومع كل هذا فإن للعالم سعي سعياً متنامياً لجعل حكم المحكمين نهائياً وللحد من سلطة المحكمة المختصة في التدخل في إجراءاته.

 

أنظر دليل التشريع البحري إصدارة الأمم المتحدة  - الطبعة الثانية ص 255 حيث جاء.

“Depending on the law applicable the court has various powers to supervise arbitration and to insure that it is properly conducted ”

 

ومع ذلك فلقد خولت قواعد يونسترال هيئة التحكيم لاتخاذ أي تدابير مؤقتة لحفظ المال محل النزاع حسب ما جاء في المادة 26(1) و(2) منها ، وقد نصت قواعد التحكيم لغرفة التجارة الدولية بفرنسا ICC على هذه السلطة نفسها لهيئات التحكيم . وما ينبغي أن يقف عنده رجال القانون ، إن كلاً من قواعد بونسترال أو قواعد غرفة التجارة الدولية بفرنسا ، ليست قانوناً ملزماً وإنما تستمد سلطانها وقوة نفاذها من إرادة أطراف التحكيم وبالتالي ، وبنظري المتواضع ، أن التدابير المؤقتة للحماية لا تكون نافذة إلا في حق أطراف التحكيم فقط ولا سلطان لها على الغيرthird party  ومن ثم لا يمكن إعمالها كقانون في مواجهة الغير ولا يمكنها بالطبع الحجز على المال إذا كان للغير حق فيه . وفي هذه الحالة لابد من الاستعانة بالمحكمة المختصة.

 

 تنفيذ أحكام المحكمين الأجانب:

 

 

فيما أورد قانون الإجراءات نصوصاً خاصة بتنفيذ الأحكام والأوامر الأجنبية الصادرة من جهة قضائية مختصة (محكمة) خارج السودان ، فإن حكم المحكمين الأجنبي لا يجد سبيلاً للتنفيذ - تحت ظل القانون السائد الآن - إلا عن طريق المادة 149 من قانون الإجراءات السوداني . بمعنى أن يخضع الحكم لحق الاعتراض عليه بوساطة المحكوم عليه لمخالفة القانون أو فساد المحكمين الأجانب . وكلا الاعتراضين ليس متاحاً - من حيث القانون -للمحكمة السودانية الفصل فيه.

مشروع قانون التحكيم المشار إليه أعلاه ينص على إمكانية التنفيذ إذا كانت الدولة التي صدر فيها حكم المحكمين من الدول التي تقبل تنفيذ قرارات المحكمين السودانية . علماً بأن قرار المحكمين السوداني - على وفق القانون الساري الآن - ليس بذاته حكماً قابلاً للتنفيذ ما لم توافق عليه المحكمة وتصدره حكماً من المحكمة وليس حكماً من المحكمين . وبالتالي فقد يكون من رأى المحكمة السودانية وقضائها أن حكم التحكيم الأجنبي - الذي أصبح نهائياً ونافذاً في البلد الذي صدر فيه - ليس بحكم صادر من جهة قضائية مختصة وذلك بالطبع ما لم يكن حكم التحكيم قد صدر كحكم من محكمة أجنبية.

 

باعتقادي أن التنفيذ المتبادل لأحكام المحكمين الأجنبية والسودانية ، لا يتم إلا إذا أعلن السودان قانونه الموضوعي بالتحكيم وانضم إلى اتفاقية نيويورك 1958م.

التحكيم الدولي في مجال التجارة والاستثمار:

التحكيم في منازعات المواد المدنية والتجارية نوعان :تحكيم وطني )محلي ) وتحكيم دولي.  ولعل ما يهمنا فيما نحن بصدده هو التحكيم الدولي في مجال التجارة الدولية بأنواعها والاستثمار الدولي.

 

وفيما يفضل المتنازعون التحكيم الوطني لان تكلفته اقل بلاضافة إلى سرعة الفصل في المنازعة ، نجد أن التحكيم الدولي - عاديا كان أم مؤسسياً - باهظ التكاليف.

 

وحيث أن الروابط القانونية بين الأشخاص في منازعات التجارة الدولية كثيراً ما تنشأ بموجب عقود ذات شروط عامة وبنود موحدة ، فإننا كثيراً ما نجدها تنص على شرط التحكيم الدولي أو اختصاص محكمة أجنبية مصحوباً بشرط تطبيق القانون الموضوعي الواجب التطبيق على المنازعة applicable Law.  وفي بعض الأحيان نجد شرطاً يتحدث عن الإجراءات التي تحكم مسار وإجراءات التحكيم.

 

ويرد مثل هذا الشرط في منازعات التجارة الدولية وعقود الاستثمار الدولية لأن مثل هذه المنازعات لا تخلو من أن يكون أحد أطرافها جهة أجنبية مما يثير نزاعات تضارب الاختصاص وتضارب القوانين Conflict of lawsعلى السواء.  فضلاً عن أن الدول النامية تسعى للانفتاح لبناء مقدراتها وبنياتها التحتية عن طريق جذب رؤوس أموال أجنبية لا تدخل البلاد إلا بعد أن تهئ الدول النامية المناخ الآمن ، لا لمنـح الامتيازات لتشجيع الاستثمار وحسب ، وانما بتشريع الحد الأدنى من القوانين التي تضمن قضاءً عادلاً متفاعلاً مع المجتمع الدولي ينكر ما ينكره ويقر ما يقره فلا يشذ ولا يستعصم بقوانينه الوطنية.  ولذلك نجد أنه من البديهي أن تحترم المحاكم إرادة الأطراف في تعهداتهم وعقودهم بحيث لا يستقل قضاء بلد عن الآخر فيملي كل بلد قانونه الوطني على إرادة أطراف منازعات التجارة والاستثمار بين الدول التي لا تقوم  - عادة - إلا بين أطراف لا يجمعهما وطن واحد.

 

لذا ، فإن احترام التحكيم التجاري الدولي ضرورة لا بسبب اختلاف موطن المتقاضين وحسب ، بل بسبب احترام المعاهدات الدولية التجارية ومعاهدات الأمم المتحدة في شأن توحيد النظر إلى كل من القوانين أو الاتفاقيات التي تنص على الأحكام الواجبة التطبيق على المنازعات بشأن عقود الاستثمار وعقود التجارة الدولية ، بالإضافة إلى مجهودات المجتمع الدولي بقيادة لجنة التجارة التابعة للأمم المتحدة لتوحيد النظر في شأن قبول وتنفيذ أحكام المحاكم الأجنبية وأحكام المحكمين الأجنبية من أجل الاتفاق على قواعد قانونية مستقره تنظم حقوق المشتغلين بالتجارة الدولية وحقوق المستثمرين الأجانب.

 

ومنذ بداية القرن الماضي ، لم تتوقف جهود العالم لإيجاد صيغ للمعاملات التجارية بشروط موحدة تكون معلومة سلفاً لكل صاحب شأن في التجارة الدولية حتى لا يستقل قضاء بأي دولة عمَّا ما عليه العمل إجماعاً بين عدد كبير من الدول ، الأمر الذي يجب أن تتفاداه كثير من الدول خشية المعاملة بالمثل.

دد

ولقد نظرت - وأنا أعد هذا البحث - في دليل تطوير وتحديث ألبني التحتية  (للدول النامية) عن طريق مشاريع البوت  Guidelines for Infrastructure Development Through Build - Operate -  Transfer (Bot) Projects  التي أصدرتها مؤسسة الصناعة والتنمية للأمم المتحدة لسنة 1996م ، فلم تخطئ عيني الاهتمام المركز على الجوانب القانونية والقضائية بغرض إتاحة الفرصة لاشتراط القانون الواجب التطبيق والتحكيم الدولي وأن تضمن الدولة النامية قوانينها نصوصاً تثبت قبول محاكمها تطبيق القانون الأجنبي وشرط التحكيم الدولي.

فيما يتعلق بسيادة حكم القانون واعتراف الدول المضيفة بالتحكيم الدولي. أنظر ص 55 من المرجع المذكور:

 

“Resolution of disputes by internationally recognized arbitration. Waiver of sovereign immunity from suit and judicial enforcement is required in some countries to ensure the efficient application of the law.” 

 

كذلك يقول المرجع المذكور على الصفحة 194 منه بأنه يجب أن يكون  الغطاء التأميني Insurance coverage  شاملاً تأكيد الدولة النامية المضيفة اعترافها وتنفيذها لأحكام المحكمين وأحكام المحاكم الأجنبية في حالة منازعات الإخلال بالعقد. 

 

ثم أنظر ص 237 في شأن القانون الواجب التطبيق والتحكيم الدولي فيما يتعلق برغبة الممولين الدوليين في أن يكون العقد محكوماً بقانون واختصاص محايدين وان تخضع المنازعات لتحكيم دولي.

 

دأب المجتمع الدولي على تنظيم التجارة بين الدول لا يخطئه النظر. فمنذ أوائل القرن الماضي صدرت اتفاقيات دولية هامة للمساعدة في إيجاد قواعد موحدة لحفظ حقوق المشتغلين في حقل التجارة بين الدول.  ولقد غدت القواعد الموحدة في شأن النقل الدولي للبضائع والتجارة بين الدول معروفه للجميع أصبحت مجرد الإحالة إليها في عقد أو في المستندات القابلة للتداولnegotiable documents  تكفي وتغني عن صياغة بنود وشروط عديدة . بل قد تغني عن صياغة أو كتابة العقد أصلاً لكون أن عقد النقل الدولي للبضائع من العقود الرضائية التي تنعقـد دونما حاجة إلى رسمية أو شكلية بعينها . وكمثال ما سبق قوله فإن شرط باراماونت   paramount clause في سند شحن ، يثبت أن سند الشحن يخضع في تفسيره وتنفيذه للقواعد والأحكام المنصوص عليها في اتفاقية توحيد بعض شروط سندات الشحن بروكسل 1924م تعديل 1968م أو أحكام قانون بلد آخر قنن أحكام هذه الاتفاقية.

وبالتالي ، فإن حقوق كل من حامل سند الشحن والناقل تثبت وتترتب على ضوء أحكام وقواعد الاتفاقية المشار إليها أعلاه أو أي قانون صادر بموجبها كل ما وجد هذا الشرط في سند الشحن.

 

بموجب شرط بارامونت أعلاه تصبح أحكام الاتفاقية المنصوص عليها أو أحكام القانون الأجنبي الذي صدر بموجبها القانون الواجب التطبيق على أي منازعة بشأن سند الشحن . ومعروف مدى الحرية التي خولها القانون السوداني - كسائر القوانين الأخرى - للمحكمة السودانية في تطبيق القانون الأجنبي حيثما استقر أمامها اختيار أطراف الخصومة له -انظر المادة 11 (13) (أ) من قانون المعاملات السوداني.

 

ولو قارنا بين هذا النظر وما جاء أعلاه حول الاحتياطات القانونية لعقود الاستثمار عن طريق البوت ، فإننا لا نخطئ أن قلنا انه وكما يسعى العالم إلى توحيد قواعد تطبيق وتفسير عقود الاستثمار الدولي فلقد تمكن المجتمع الدولي من توحيد بعض القواعد لسندات الشحن سواء كان ذلك عن طريق اتفاقية بروكسل 1968م أو اتفاقية هامبورج 1978م كما جرى توحيد القواعد بأصول وأعراف الاعتمادات المستندية ومصطلحات التجارة الدولية.

 

وبسبب هذا ، ما عاد مهماً أو مطلوباً من ناقل ومالك للبضاعة أو بائع ومشترٍ أن يجلسا ليتفقا على شروط عقد النقل البحري ، أو عقد البيع البحري. بل ليس مهماً أو مطلوباً كذلك أن تجري بينهما مراسلات لإثبات العقد . إذ يكفي فقط صدور سند الشحن بشروطه الموحدة التي يمكن للمحاكم أن تأخذ بها العلم على نحو ما استقر في القانون البحري والمعاهدات الدولية في هذا الصدد. والسند وبشروطه كلها يلزم الناقل الذي أصدره ووقع عليه ويلزم كذلك المرسل إليه إذا قبله وشرع في استلام بضاعته بموجبه . وهذا ما عليه القضاء في اغلب دول العالم ولم أجد سابقة قضائية سودانية واحدة تقضي بغيره.

وبفضل توحيد القواعد لإعمال المصارف حول الاعتمادات المستندية وتـداول الأوراق التجاريـة من خلال البنوك ، أصبح ( بفضل هذا التوحيد ) يمكن - قانوناً - تضمين عقود البيع البحري وخطابات الاعتماد هذه القواعد لمجرد الإحالة إلى القواعد الموحدة - أنظر الأصول والأعراف الموحدة للاعتمادات المصرفية (U C P D)  إصدار غرفة التجارة الدولية بباريس ICC Publication No.504.  وهذه القواعد لا تكون ملزمة إلا بسلطان إرادة المتعاقدين.  فلو اشترط البائع على المشتري فتح اعتماد مستندي على وفق القواعد أعلاه ، فإن حقوق والتزامات البائع والمشتري من جهة وحقوق والتزامات البنوك من الجهة الأخرى ، تتأكد وثبت على بعضها البعض على وفق أحكام الأعراف أعلاه . وتقبل المحاكم أو هيئات التحكيم هذه القواعد ليس كقانون دولي أو تشريع دولي موحد ، بل تقبلها إعمالا لما اتفق عليه الأطراف.

 

كذلك تكفي الإشارة إلى أي مصطلح من مصطلحات التجارة الدولية لسنة 1990م Incoterms  المعلنة في إصداره غرفة التجارة الدولية بفرنسا International Chamber of Commerce - ICC 1990 ، لإثبات اتفاق أطراف العقد طبقاً للمعنى والمدلول للمصطلح التجاري المنصوص عليه في هذه الإصدارة . ومثال ذلك انه متى ما ثبت بين بائعين أن البيع الذي اتفقا عليه تم بنظام فوب  FOB فإن ثمن البيع لا يشمل أجرة نقل البضاعة وعكس البيع فوب البيع سيف  CIF أو كاف C & F فيما يتعلق بشمول الثمن لأجرة النقل أو قسط التأمين. 

 

الشأن في كل ما ذكرناه يوافق شأن العقود النموذجية model contract  أو الجاهزة أو اتفاقيات نقل البضائع بالبحر بموجب سندات الشحن التي يمكن الإشارة إليها بوساطة المتعاقدين - في معرض مفاوضات العقد - بمجرد الاسم المعتمد دولياً . وذلك لأنه قد تم الاتفاق على توحيد قواعدها بمجهود دولي متواضع واتفقت عليه كثير من الدول . ومثال ذلك أن النص على صيغة Gencon Charterparty   في مشارطه لإيجار سفينة ،  يثبت اتفاق الأطراف المتعاقدة على كل الشروط العامة  general terms الواردة في صيغة   Gencon Charterparty  بحيث لا حاجة لمستزيد إلا من قبيل إيراد شروط خاصة كملحق لصيغة العقد النموذجي المذكور . والشروط العامة في العقود النموذجية لكل صيغة من صيغ العقود النموذجية قد جرى توحيدها عن طريق المجتمع الدولي.

 

وفي مجال صناعة النقل البحري للبضائع نجد أن عبارة clean on board  تعني استلام الناقل للبضاعة بحالة جيده.  وسائر العبارات الأخرى التي يرمز إليها فقط في سند الشحن بالمصطلح المتعارف عليه تؤكد وتثبت حقوقا أو التزامات على كل من الناقل من جهة وملاك البضائع شاحنين كانوا أم مرسلاً إليهم أو محوَّلاً إليهم أو أصحاب أي مصلحة في البضاعة.

 

ولو أن كثيراً من القانونيين ينعون على صيغ العقود الجاهزة بأنها عقود إذعان ، إلا أن أمـر التجارة الدولية بين أطراف لا يجمع بينها وطن واحد ، لا يستقيم ولا يستقر بدون الاعتماد على القواعد الموحدة (المعتمدة دولياً بموافقة عدد كبير من الدول) . وذلك لأسباب كثيرة أقلها أنه ربما كان من المستحيل أن تنساب البضائع أو السلع في تجارة من دولة إلى أخرى دون أن تتوحد الشروط العامة General Provisions  للعقود أو الصيغ الجاهزة على نحو يؤسس لفهم مستقر للمصطلحات أو الصيغ الموحدة والمعتمدة عالمياً.

 

ولارتباط التحكيم الدولي بمجهودات المجتمع الدولي فيما سبق بيانه نجد أن المادة (6) من قانون التحكيم المصري توجب على هيئة التحكيم العمل بأحكام العقد النموذجي أو اتفاقية دولية أو أية وثيقة أخرى بما تشمله من أحكام خاصة بالتحكيم.

 

ونؤمن على ضرورة تشريع مثل المادة (6) مصري أعلاه في قانون التحكيم السوداني المرتقب إذا ما أريد للسودان أن ينضم إلى اتفاقية نيويورك 1958م المشار إليها في مستهل هذا البحث. 

 

أسهبت في مسألة التوحيد للقواعد التي تتعلق بالتجارة الدولية للتأكيد على أن شرط التحكيم البحري وشرط التحكيم التجاري بصفة عامة كثيراً ما يوجدان في اتفاقية دولية أو عقد نموذجي أو أي وثيقة من الوثائق التجارية التي تتداول بها البضائع والحقوق في أثناء نقل البضائع بالبحر . ذلك لأنه ربما من غير الممكن أن تتم مثل هذه المعاملات بخلاف الاعتماد على مجهود دولي يوحد القواعد والأعراف والأصول وحتى المصطلحات.

 
شرط التحكيم أو شرط الاختصاص في العقود الجاهزة:

 

من أهم وأميز الشروط العامة في سندات الشحن أو مشارطات الإيجار أو العقود النموذجية أو الاتفاقيات الدولية شرط التحكيم الدولي . علماً بان كل الاتفاقيات الدولية في شأن التجارة الدولية لا تغفل أمر تحديد المحكمة المختصة. والغرض من هذا ، هو إيجاد فهم مشترك للمحكمة المختصة بازاء الأنواع المختلفة للمنازعات ، ثم توحيد قاعدة الاختصاص في هذا الخصوص . فإذا كانت الدولة قد أعلنت الاتفاقية الدولية اتفاقية نافذة فيها أو قننت أحكامها في قوانينها الوطنية ، فإن الدولة لا تكون قد وقعت أو انضمت أو وافقت على الاتفاقية وحسب ، بل تكون قد ألزمت محاكمها ( وأي محكمة أجنبية أخرى تطبق قانون تلكم الدولة ) بكل أحكام الاتفاقية بما فيها النص الوارد حول المحكمة المختصة . وإذا قبلت الدولة بعضاً من أحكامها فإنها تلتزم فقط بما قبلته.  وإذا لم توقع عليها أو تتبناها غدت بالخيار في شأن الاختصاص الذي نصت عليه الاتفاقية ، إن شاءت قبلت وإن شاءت رفضت . ومعلوم أنه يتعين على الدولة أن تفي بالتزامها إذا انضمت إلى أية اتفاقية دولية وذلك بإعلانها اتفاقية دولية نافذة أو بتقنين أحكام الاتفاقية في قانون وطني تصدره . الاتفاقيات الدولية إذا كانت من مجموعة مقدرة من الدول كاتفاقية بروكسل 1968م أو اتفاقيات توصلت إليها الدول عن طريق الأمم المتحدة لا تكون ملزمة للدولة بذاتها.  ولهذا نجد أن كل الاتفاقيات تنص على نصاب محدد من الدولة الموقعة تتجاوز بها مرحلة طرح الاتفاقية للتوقيع إلى مرحلة النفاذ . وإذا قبلت الدولة الاتفاقية سواء بالتوقيع أو الانضمام يلزم الدولة وحدها ولا يلزم مواطنيها ما لم تعلنها اتفاقية نافذة على نحو ما نصت عليه المادة (12) معاملات أو تقنن الدولة أحكام الاتفاقية كلها أو بعضاً منها في قوانينها الوطنية . وبالتالي فإن مجرد التوقيع أو الانضمام لا يجعل الاتفاقية حكماً قانونياً يطول الكافة . والمحاكم تأخذ العلم القضائي بالاتفاقية الدولية التي أعلنتها الدولة معاهدة دولية نافذة لكون أن هذا الإعلان بمثابة تشريع جديد في القانون  وما عدا ذلك فإن أحكام أي اتفاقية توقع عليها الدولة ولم تعلنها اتفاقية نافذة مجرد فقه أو قانون أجنبي يمكن المحاكم أن تهتدي به فقط ومع ذلك يمكن للمحكمة أن تطبق أحكامها كقانون أجنبي اتفق عليه أطراف الخصومة على نحو تقضي به المادة 11(13) (أ) معاملات.      

 

شرط التحكيم بوجه عام :

 

إن بعضاً من العقود الجاهزة أو النموذجية أو الأداة instrument المثبتة للعقود كسند الشحن مثلاً ، تورد نصاً محدداً حول التحكيم سواء كان نصاً في السند بذاته أو كان من ضمن الشروط التي أثبت السند أنها من شروطه كالنص على تضمين كل شروط مشارطة الإيجار في سند شحن أو النص على أن السند قد صدر على وفق مشارطة الإيجار أو غير ذلك مما قد يرد من إحالة بالسند إلى شروط المشارطة.

 

بوجه عام ، لا يوجد في اتفاق الطرفين على التحكيم ما يضير العدالة أو ما يمس بسيادة القضاء وولايته على النزاعات . فلقد أوجب قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وقف الدعوى متى ما ثبت للمحكمة الاتفاق على التحكيم. ولقد جرى القضاء بذلك ولم يحدث أن رفضت المحاكم قبول طلب لإعمال مشارطة التحكيم . ولا تتردد في إنفاذ قرار التحكيم حتى إذا كان مستوفياً لمطلوبات قانون الإجراءات بخصوص التحكيم.

 

ولا يخطئ النظر أن شرط التحكيم في العقود والاتفاقيات الدولية يعتمد بصفة أساسية على الاتفاق على مكان التحكيم وهذا ما يؤكد أن شرط التحكيم في معاملات التجارة والاستثمار الدولية ما هو إلا شرط اختصاص أجنبي.

 

وفي هذا السياق ، فإن شـرط التحكيم سواء كان محلياً أو خارج البلاد ما هو إلا شرطٌ سالبٌ للمحاكم اختصاصها الذي نص عليه القانون لنظر الدعوى والفصل فيها.  ولا يرى القانون السوداني ضيراً من إعمال شرط التحكيم وهو بذلك يعترف بشرط التحكيم كلما كان من حق المحكمة الإشراف عليه ، وهذا أمر متفق عليه بلا جدال.

 

شرط التحكيم الدولي :

 

يشمل شرط التحكيم التجاري الدولي ، بالضرورة على عنصر أو طرف أجنبي.  فالتحكيم الدولي مختص بنظر المنازعة التي تشتمل على عنصر أجنبي سواء كان طرفاً في المنازعة أو كان مكانها أو محل إبرام العقد أو تنفيذه أو غير ذلك ، مكاناً يخرج عن اختصاص محاكم دولة بعينها . وعادة ما يحدد الشرط مكان التحكيم في قطر من الأقطار ذات الصلة بأي طرف من أطراف المنازعة أو قد يحدد قطراً آخر كإنجلترا أو فرنسا وغيرها حيث توجد هيئات مختصة بالتحكيم البحري أو التجاري. وعلى ضوء هذا فان التحكيم البحري تحكيم دولي ، يتم بقواعد وأسس محددة ومعروفة لمجتمع التجارة العالمي ، وهو وبلاشك ، لا يرتبط بتوجيهات المحكمة المختصة بالتحكيم الداخلي.

 

ومع ذلك فإن التحكيم الدولي البحري ، في حالات عدم وجود نص في المشارطة أو شرط التحكيم على القانون الموضوعي والإجرائي الواجب التطبيق بوساطة هيئة التحكيم ، يكون محكوماً بالقواعد الموضوعية للتحكيم في الدولة التي اتفق أطراف التحكيم على اختيارها كمكان التحكيم.

 

وكلما أحالت مشارطة الإيجار أو شرط التحكيم إلى قواعد يونسترال للتحكيم 1976م ، فإن سائر الإجراءات التي تحكم المرافعات والطلبات العادية والوقتية هي القواعد الإجرائية الواجبة التطبيق وذلك إعمالاً لمبدأ سلطان إرادة المتعاقدين.

 

ولعله ولطبيعة التحكيم كقضاء خاص لابد من أن تكون هناك محكمة تشرف عليه وتساعد في إجراءاته من حيث اعتماده كحكم نافذ أو التصديق عليه أو نظر أي طعن أو دعوى ضده أو اتخاذ أي تدابير وقتية للحماية وربما لإنفاذ أوامر المحكمين بإعلان الشهود أو إحضار مستندات وما إلى ذلك من إجراءات قد تكون مطلوبة من أشخاص آخرين بخلاف أطراف التحكيم.

 

القانون السوداني ينص على سلطة محكمة أول درجة في الإشراف على التحكيم.

 

القانون الإنجليزي يمنح الحق في الإشراف على التحكيم للمحكمة العليا بإنجلترا فهي المحكمة التي خولها القانون حق النظر في الطعن  عن طريق الاستئناف في حكم التحكيم وهى المحكمة التي تفصل في ما تحيله لها لجان التحكيم من مسائل - مؤلف بروفيسور جون ولسن ص 326.

 

القانون المصري المشار إليه أعلاه ينصب محكمة استئناف القاهرة لهذا الغرض ولكنه مع ذلك نص على حق الأطراف في الاتفاق على محكمة أخرى شريطة أن تكون محكمة مصرية.

 

ولقد فطن المجتمع الدولي إلى ضرورة الاعتراف بأحكام المحكمين وتوحيد صيغ شروط التحكيم فبدأ يبذل الجهد منذ أيام عصبة الأمم التي أقرت في عام 24/9/1923م البروتكول المتعلق بشروط التحكيم - حسبما وقفت عليه من مؤلف الدكتور احمد حسني أعلاه صفحة 285 واتفاقية جنيف لتنفيذ  أحكـام المحكمين الأجنبية لسنة 1927م التي وقعـت في جنيف في Geneva Convention on the Execution of Foreign Arbitral Awards, 1927.

واتفاقية نيويورك 1958م المشار إليها سابقاً (على ص (3) أعلاه).

 

نصت اتفاقية نيويورك لسنة 1958م - المشار إليها فيما سبق في شأن الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الأجانب على تطبيق أحكام المحكمين التي لا تعتبر وطنية في الدولة المطلوب إليها الاعتراف أو تنفيذ أحكام المحكمين الأجانب.

 

حددت الاتفاقية مجال تطبيق أحكامها على المنازعات المدنية والتجارية سواء كانت تعاقدية أو غير تعاقدية مما يعني تطبيق أحكامه على كافة المنازعات مدنية كانت أم تجارية . بما في ذلك منازعات عقود الاستثمار. ونصت على وجوب أن تعترف الدولة التي توقع على هذه الاتفاقية بشرط التحكيم وان تعمل بمقتضاه وذلك بتأكيد ذلك في قانونها الوطني وان تعترف بحجية قـرار التحكيم وتأمر بتنفيذه وفق قواعـد المرافعات في قانونها الوطني. 

 

وقبل ذلك تتيح الاتفاقية المذكورة للمحكوم له بموجب التحكيم أن يطلب لدى الدولة الموقعة الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه كحكم نهائي ما لم يكن قرار التحكيم مخالفاً لقواعد النظام العام.

 

والاتفاقية تعامل حكم المحكمين معاملة الحكم الأجنبي الذي يمكن تطبيقه في كثير من الدول على وفق قاعدة المعاملة بالمثل متوخية بعض الضوابط التي تؤكد صدور الحكم الأجنبي بطريقة صحيحة وعادلة . أنظر الباب الثاني عشر من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م

 

وقعت عدد 80 دولة على هذه الاتفاقية ولقد أجازتها الولايات المتحدة في 1970م أصدرت قانون التحكيم الفدرالي  The Federal Arbitration Act  حسبما جاء في المقالة المشار إلى مرجعها على صفحة (2) من هذا البحث.    

 

ما عاد في الإمكان أن يستقل قطر عن العالم في تشريع أو تطبيق قضائي ينحاز لمصلحة مواطنيه في امور ومنازعات تتعلق بالتجارة بين الدول أو عقود تتصل بأجانب مستثمرين كانوا أم تجاراً . وإن كان مثل هذا النظر مواتياً من قبل ، فإنه وفي عصر العولمة ومنظمة التجارة الدولية World  Trade Organization والتجمعات الاقتصادية الدولية ، يغدو نظراً غير سديد.

 

ولا نقول بسيادة أو فوقية الأجنبي ووجوب حفظ حقوقه دون حقوق المواطن ، ولكن ندعو إلى توازن عادل  fair balance بين حقوق أطراف المنازعة يفضي إلى احترام إرادة الأجنبي والوطني إذا اجتمعت أو توافقت أو تعاهدت على شرط التحكيم التجاري من الدولي.

 

لم ينضم السودان إلى هذه الاتفاقية ولقد ناقشنا هذه الاتفاقية في لجنة مراجعة قانون الإجراءات لسنة 1983م وخلصنا إلي أن السودان يحتاج أولاً إلى تشريع قانون موضوعي للتحكيم لان النصوص الواردة في قانون الإجراءات المدنية حول التحكيم والتوفيق  لا تفي بالغرض المطلوب ، ولقد اعد القاضي/ حسين عوض أبو القاسم مسودة بقانون التحكيم شاملاً لنصوص موضوعية وإجرائيه للتحكيم وما زالت تحت الدراسة والنظر.

 

ما هي ضرورة تشريع قانون التحكيم :

 

إن الانضمام إلى اتفاقية نيويورك يجب أن يسبقه قانون موضوعي بالتحكيم يقر أولاً قبول شرط التحكيم لأن نصوص الباب الرابع من قانون الإجراءات لسنة 1983م مجرد نصوص إجرائية بحتة تعترف فقط بحق التحكيم في شأن المنازعات التي لا تنازع أي من أطرافها اختصاص المحكمة السودانية . ليس ذلك فحسب ، بل أن التحكيم - طبقاً للقانون السوداني الساري الآن - لا يتم إلا عن طريق المحكمة فلا يصبح حكماً إلا إذا أعلنته المحكمة حكماً قضائياً ومن ثم فليس من سبيل أن يطلب السودان تنفيذ حكم محكمين في الدول المنضمة إلى اتفاقية نيويورك لأن قرار التحكيم - على وفق أحكام قانون الإجراءات - ليس بذاته حكماً وانما يلزم أن تصيره المحكمة السودانية حكماً بمعنى أنه - في النهاية - لا يكون قراراً أو حكم محكمين وانما حكم محكمة أول درجة.

 

ومن الجانب الآخر لا يمكن تنفيذ حكم محكمين أجانب في السودان لأنه لا يوجد نص في القانون السوداني يسمح بذلك . وكذلك لا يمكن للسودان أن يستجيب للتعهد بتنفيذ حكم المحكمين الأجانب . واعتقد أن السودان وعلى ضوء قانونه الساري الآن لا يمكنه كذلك أن يعترف بأحكام المحكمين الأجانب لأن القانون الساري لا يمنح قرار المحكمين صفة كونه حكماً.

 

وفـي سعـي لتأكيد شــرط التحكيم الدولي ولتوحيد قواعـده الإجرائية ،  أقرت الجمعية العامـة للأمم المتحدة قواعد مرافعات خاصة للتحكيم تسمـى قواعــد التحكيم الخاصة بلجنة الأمم المتحـدة لسنة 1976م

Uncitral Arbitration Rules 1976.

وقضت هذه القواعد بأنه ومتى كان هناك شرط تحكيم وفقاً لقواعد يونسترال Uncitral   للتحكيم فإن منازعات التحكيم تسوى وفقاً للقواعد المذكورة.

 

وقضت بأن هذه القواعد تحكم التحكيم ما لم تكن متعارضة مع القانون الذي اتفق أطراف التحكيم على تطبيقه على إجراءات التحكيم.

 

وسياق هذه القواعد يؤكد النظر أن قواعد التحكيم المشار إليها أعلاه مطروحة كمثال (أنموذج) ليأخذ به أطراف مشارطة التحكيم إن شاءوا بحيث لا تكون القواعد أعلاه ملزمة إلا إذا رضى بها أطراف المشارطة . وهذا النظر يؤكد ما سبقت الإشارة إليه أن المجتمع الدولي وبقيادة الأمم المتحدة لا يألو جهداً في سعيه لتوحيد الآراء حول قواعد موحدة في كل شأن من الشئون التجارية والاقتصادية بين الدول.

 

وعلى الرغم من أن القانون البحري يعتمد بصفة كلية على الاتفاقيات الدولية إلا أنه لم يحاول توحيد قواعد لمرافعات التحكيم تاركاً ذلك للمحكمين والقانون الوطني.

 

أنظر ص 255 من دليل التشريع - الطبعة الثانية المشار إليه أعلاه.

 

كل ما سبق من جهد دولي قامت به الأمم المتحدة يؤكد سعي العالم لاحترام شرط التحكيم . والمجتمع الدولي -بالطبع- لا يستطيع فعل شي أكثر من إعداد صيغ بقواعد موحدة من اجل إنفاذ الاتفاقيات الدولية . والأمر بعد ذلك متروك لسلطان الإرادة لذوي الشأن في المنازعات المدنية والتجارية الدولية. فهم الذين يحيلون بإرادتهم هذه الاتفاقيات بالقواعد الموحدة إلى قانون واجب التطبيق سواء من حيث موضوع المنازعة أو من حيث قواعد مرافعات التحكيم. فليس ثمة ما يمنع أطراف التحكيم البحري من الاتفاق على أعمال قواعد يونسترال أعلاه على إجراءات التحكيم.

 

وعلى ضوء ما سبق من ترتيبات للوصول إلى القواعـد الموحدة ، فهل  ترى من المناسب أن ترد محاكم دولة ما شرط التحكيم الدولي بحجة انه اتفاق بين أطراف الخصومة مخالف لقواعد الاختصاص الوطني ؟ هل هناك مساس بسيادة القضاء الوطني إذا ما رفع يده من نظر منازعة لأن طرفيها كانا قد اتفقا على التحكيم الدولي؟

 

ولما سبق فالرأي عندي أن السودان يتعين عليه أن يصدر قانون تحكيم يمنح بموجبه حكم المحكمين  محليين كانوا أم أجانب صفة أنه حكم لا يطعن فيه إلا بدعوى البطلان أو الاستئناف بدلاً من ضرورة أن تصيره المحكمة السودانية حكماً على وفق نص المادة (149) من قانون الإجراءات.

 

القانون الموضوعي لا يقتصر فقط على إجراءات تنفيذ اتفاق التحكيم أو قواعد المرافعات الخاصة بالتحكيم كما هو الحال في القانون السوداني الساري الآن . بل أنه يعني التحكيم في موضوعه فيؤكد أولاً ماهية التحكيم وينص على القواعد القانونية التي توفق بين سلطة المحاكم في التحكم فيه أو الإشراف عليه وبين حقيقة أن التحكيم قضاء قائم بذاته لا تتدخل فيه المحاكم إلا بالقدر الذي يمنع سوء السلوك أو البطلان من ناحية قانونية بحتة . وهذا القدر من التدخل متاح للمحاكم لأن سلطانها لاحقاق الحق وتحقيق العدالة والإنصاف بين الناس ، سلطان يجب ألا يحد منه اتفاق طرفي الخصومة.

 

تمشياً مع رؤية توحد التشريع الدولي ، فلقد أصدر كثيرٌ من الدول قوانين موضوعية للتحكيم ولعل أهم ما يميز تلكم القوانين أنها تنص على حجية حكم المحكمين وصيرورته حكماً نهائياً بذاته دونما حاجة لحكم من محكمة بذلك بما يضفي الحجية على حكم المحكمين وتؤكد اعتراف الدولة بشرط التحكيم وبإمكانية تنفيذه فيها كحكم نهائي مما يؤهلها لأن تكون عضواً أو طرفاً في اتفاقية نيويورك 1958م.

 

واختلاف القوانين التي نصت على الحجية فيما بينها اختلاف درجة وليس اختلاف نوع . فمثلاً نجد أن بعضها يعتبر قرار المحكمين حكماً نهائياً قابلاً بذاته للتنفيذ أمام المحاكم ، تماماً كحكم أي محكمة مختصة أخرى . لا يطعن فيه إلا بما يعرف بدعوى البطلان أمام المحكمة الابتدائية المختصة. ودعوى البطلان ليست فقط دعوى وقائع بقدر ما هي دعوى ببطلان الحكم لمخالفته للقانون . ودعوى البطلان كما تتأسس على القانون ،  فإنها أيضاً تتأسس على سوء سلوك المحكمين وفسادهم . تمنح بعض القوانين الحق لمن صدر ضده حكم المحكمين للطعن ضد حكم التحكيم أمام محكمة معينه ، في الوقت الذي نجد فيه القانون السوداني لا يجعل من حكم المحكمين إلا مجرد قرار معروض للنظر أمام محكمة أول درجه للقبول أو الإلغاء.

 

إلزامية شرط التحكيم في منازعات النقل الدولي للبضائع (البحري):

 

1- يرى بعض الفقهاء أن شرط التحكيم أو الاختصاص الدولي ملزم لكل طرف من أطراف وثيقة الشحن بما في ذلك المرسل إليه consignee   أو المظهر إليه endorsee   أو حامله bearer وذلك إن سند الشحن كأداة لإثبات كافة شروط عقد النقل يتداول بكافة شروطه.

 

أن حامل سند الشحن - سواء كان المرسل إليه أو المظهر إليه - عندما يقوم باستلام البضاعة يكون قد قبل السند بكافة شروطه.

 

ويضيف الفقهاء أن المرسل إليه أو المظهر إليه - وإن اختلف حول حقيقة انه طرف في عقد النقل أم لا فإنه وبالتأكيد طرف ذو شأن في عقد النقل بحكم حقوقه وواجباته المنصوص عليها في سند الشحن.

 

 

ومما لا خلاف فيه أن سند الشحن سلاح ذو حدين ، فهو يثبت حقوق الناقل العينية التبعية للبضاعة وفي الوقت نفسه يثبت حقوق حامل السند في استلام البضاعة على وفق ما وصفت في سند الشحن . ومن هذا يبين ألا فكاك من أن يلتزم كل من الناقل وحامل السند بشروط سند الشحن سواء كانت شروطاً منصوصاً عليها فيه بصفة مباشرة أو شروط مشارطة إيجار صدر بموجبها سند الشحن ونص سند الشحن على أنها من شروطه وسواء كانت شروطاً عادية أم استثنائية بما في ذلك شرط التحكيم.

 

ويرى فقهاء آخرون ، أن شرط التحكيم الوارد في مشارطات الإيجار أو الوارد في سند الشحن لا يلزم حامل السند بدعوى ان سند الشحن ما هو إلا عقد إذعان لأن حامل السند لم يوقع عليه . ولقد بت القضاء المصري في هذه المسألة بأن قبول حامل السند للسند وتنفيذ السند باستلام البضاعة بوساطة حامل السند ، يعد دليلاً على قبوله لسائر شروط سند الشحن بما فيها شرط التحكيم. فيما ذهب الفقه الإنجليزي في بعض السوابق إلى تطبيقات صارمة لشرط التحكيم الوارد في مشارطة الإيجار التي أحال إليها سند الشحن . أنظر ص 231 من مؤلف

Carriage of Goods by Sea -2nd edition -Prof.  John Wilson.

 

ولقد وضعت السوابق الإنجليزية ثلاثة ضوابط لإلزام حامل السند بشروط مشارطة الإيجار وهى:

 

الشرط الأول: أن تكون بسند الشحن عبارات واضحة تنص على تضمين شروط مشارطة الإيجار في سند الشحن. وهذا يعني أن مجرد صدور السند بموجب مشارطة الإيجار لا يكون كافيا

The first requirement is that the effective words of incorporation must be found in the bill of lading itself without reference to the provisions of the charter.

ولقد جاء في سابقة  The Varenna (1983)المذكورة في المرجع أعلاه ص 231 ضرورة أن يثبت اتفاق أطراف سند الشحن على شروط المشارطة مختتماً قائلاً:

 

And thus the operative words of incorporation must be found in the bill of lading itself.

المرجع أعلاه ص 231.

 

الشرط الثاني : وهو ما يسمى بالـ Description Issue 

أن تكون عبارات تضمين شروط مشارطة الإيجار في سند الشحن عبارات واضحة في وصف شرط المشارطة المراد تضمينه في سند الشحن.

 

“… that the charter party clause when incorporated must be apt to describe the charter party clause sought to be incorporated - the “discription issue.”

 

المرجع أعلاه ص 231.

 

ولقد شددت المحاكم الإنجليزية في تطبيق شرط التحكيم إذا كان قد أحالت إليه وثيقة الشحن.

 

الشرط الأخير: وهو ما يسمى   Consistency Issue

أن يكون شرط أو شروط مشارطة الإيجار المراد تضمينها في سند الشحن متناسقة ومنسجمة مع شروط سند الشحن.

 

“that the charter party clause when incorporated must be consistent of the remaining terms of the bill of lading - the “consistency issue.” ”

 

المرجع أعلاه ص 232.

 

ولقد توصل الفقيه الدكتور المستشار احمد حسني في مؤلفه " عقود إيجار السفن "  طبعة 1985م ص 219 إلى أن القضاء الإنجليزي قد خلص إلى أن الإحالة العامة إلى المشارطة لا توجب تطبيق شرط التحكيم على حامل الشحن حسن النية.

 

نضيف إلى ما سبـق ، ما قــرره الفقهـاء السير وليم لينكس ماكنير  Sir William Lennox Mc Nair  والسير الان ابراهــام موكــاتا Sir Alan Abraham Mocatta  والسير ميشيل موستل Micheal J.Mustill  Scrutton on charterparties 1964 7th edition

 

في مؤلفهم على صفحة 57 وما معناه أن تضمين شرط بعينه من شروط مشارطة الإيجار في سند الشحن من عدمه يعتمد على المعاني الدقيقة للكلمات والعبارات التي تضمنها سند الشحن.

 

But the question whether a particular clause in the charter party is or is not included in the bill of lading depends upon fine distinctions in the wording of the incorporated clause.

 

ومن قبل جاء في مؤلف كارفر Carver -  نقل البضائع بالبحر لمؤلفه Raoul Colinvaux  طبعة 1963م ص 424و425 إن الإحالة في سند الشحن إلى شروط مشارطة الإيجار بعبارات عامة لا تجعل من شرط التحكيم شرطاً من شروط السند. فيما الإحالة بعبارات ضيقة التفسير والمعاني، تجعل شروط المشارطة شروطاً من السند . وتجنباً للخطأ في الترجمة نرجو أن نقتطف السياق الإنجليزي في الآتي:

“Accordingly they have been held (like narrow words) not to incorporate an arbitration clause in the charter into the bill of lading …. ”

 

“On the other hand (unlike narrower words), words incorporating - inter alia - the “Terms” of the charter have been wide enough to incorporate a conclusive evidence clause therein ”

 

هذا ما عليه القضاء الإنجليزي على وفق ما وقفنا عليه من مؤلف بروفيسور جون ولسن والذي صدرت طبعته الثانية في 1993م . ومؤلف كارفر ومؤلف إسكروتون لمشارطات الإيجار المشار إليها أعلاه.

 

ولنأخذ القانون والفقه المصري كمثال للدول النامية ونهتدي بنظره.

 

بادئ ذي بدء نقرر أن القانون والقضاء البحري المصري لا ينظر إليهما بمعزل من اتفاقيتي بروكسل 1968م وهامبورج 1978م وبانسحاب مصر من اتفاقية بروكسل 1968م وانضمامها إلى هامبورج 1978م لا يخطئ النظر تأثير اتفاقية هامبورج في كل من القانون والقضاء المصري في شأن منازعات النقل البحري للبضائع.

1- يقول العلامة الدكتور مصطفى كمال طه في مؤلفه القانون البحري طبعة 2000م على ص 297 بان قضاء محكمة النقض البحري قد جرى على أن استلام المرسل إليه سند الشحن دون اعتراض وقيامه بتنفيذ عقد النقل دون تحفظ يعد قرينة على العلم والقبول الضمني للشروط التي يتضمنها سند الشحن سواء كانت شروطاً عادية أم استثنائية بما في ذلك شرط التحكيم.

2- يقول المستشار الدكتور احمد محمود حسني في مؤلفه قضاء النقض المصري طبعة 1997م على ص 151 أن محكمة النقض المصرية قد قضت :

" لما كان شرط التحكيم الذي أحال إليه سند الشحن في البند العاشر منه قد نص على أن يكون مقر التحكيم في لندن فإن هذا الشرط هو الذي يجب إعماله دون الشروط الواردة في مشارطة الإيجار لأن الإحالة الواردة في سند الشحن إلى الشروط الواردة في تلك المشارطة إنما تكون فيما لم يرد بشأنه نص خاص بسند الشحن ومن ثم يكون الحكم اخطأ حين اعتد بشرط التحكيم الوارد بمشارطة الإيجار دون الشرط الوارد بسند الشحن" .  

 

وهذا القضاء يؤكد قبول القضاء المصري لشرط التحكيم الوارد في مشارطة الإيجار كلما كانت هناك إحالة في سند الشحن إلى شروط المشارطة.

 

وقبل كل ما سبق من فقه ، فإن قانون التحكيم المصري قد نص في المادة 10(7) على الآتي :

" يعتبر اتفاقاً على التحكيم ، كل إحالة ترد في العقد إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءً من العقد" .

 

فضلاً عن أن المادة (6) من القانون المذكور توجب على هيئة التحكيم العمل بأحكام العقد النموذجي أو اتفاقية دولية أو أي وثيقة أخرى بما تشمله من أحكام خاصة بالتحكيم.

 

ولقد انتهى القضاء المصري ومنذ 1965م إلى أن إحالة سندات الشحن إحالة عامة إلى الشروط التي تضمنتها مشارطة إيجار السفينة من شأنها أن تجعل شرط التحكيم الوارد في المشارطة مندمجاً في سندات الشحن وملزماً للمرسل إليه باعتباره طرفاً ذا شأن في سند الشحن يتكافأ مركزه ومركز الشاحن - عقود إيجار السفن طبعـة منشأة المعارف بالإسكندرية لمؤلفه الدكتور احمد حسني صفحة رقم 323.

 

القانون الفرنسي يقبل شرط التحكيم حتى إذا كانت الإحالة إحالة عامة - المرجع 321.

القضاء الأمريكي - وهو في حقيقته ينحو منحى القانون الإنجليزي - قد لا يختلف كثيراً عمّا ذهب إليه القضاء الفرنسي والمصري فهو يرى أن الإحالة إذا ما كانت إحالة خاصة بلغة واضحة للغاية تدمج شرط التحكيم في سند الشحن - المرجع 322. 

 

اتفاقية هامبورج 1978م :

 

ربما يمكن القول أن هذه الاتفاقية قد حسمت الجدل حول مدى إلزامية حامل السند بشرط التحكيم الوارد في مشارطة الإيجار والذي أحال إليه سند الشحن مقرره في المادة 22(2).

 

 " إذا تضمنت مشارطة الإيجار نصاً على إحالة المنازعات الناشئة بموجبها إلى التحكيم وصدر سند الشحن استناداً إلى مشارطة الإيجار دون أن يتضمن ملاحظة خاصة تفيد أن هذا النص ملزم لحامل السند، لا يجوز للناقل الاحتجاج بهذا النص تجاه حامل السند الحائز له بحسن نية "

 

القانون والفقه السوداني في شأن شرط التحكيم البحري :

 

يخلو قانون الإجراءات المدنية من أي نص ينظم شرط التحكيم الدولي وان كان قد نص على شرط التحكيم فيما لا تنازع فيه للاختصاص. فضلاً عن أن السودان ليس بعد طرفاً في اتفاقية هامبورج 1978م ولهذا فإن محاكم السودان لا تقبل تطبيق هذه الاتفاقية إلا بقدر ما اتفق عليه أطراف سند الشحن أو بقدر ما ترى من الاهتداء أو الاسترشاد بأحكامها.

 

أما من حيث أحكام القضاء فلقد جاء في قضـاء السابقة السودانية سليمان محجوب ضد شركة بت رولامس نشرة الأحكام أكتوبر ، نوفمبر ، ديسمبر 1979م وسابقة مجموعة شركات مومايسن أن شرط التحكيم البحري بتحكيم ينعقد خارج السودان لا يعتد به لأنه يسلب المحكمة السودانية اختصاصها . بيد أن القضاء في سابقة مستأجري السفينة أستير M.V Astir  محكمة استئناف البحر الأحمر رقم أ س م/165/2003م قد جاء بخلاف ما سبق . فقد قبلت محكمة الاستئناف شرط التحكيم الدولي وقضت بعدم اختصاص محكمة مكان تنفيذ العقد ومكان إقامة المدعى عليه . أما قضية ونداستار  M.V Wind star ضد شركة سوردان محكمة استئناف البحر الأحمر رقم أ س م/206/1999م فقد قضت فيها محكمة الاستئناف بقبول شرط التحكيم بلندن ولكنها أمرت فقط بوقف الدعوى إلى حين صدور قرار التحكيم مؤكدة أن ذلك لا يضير أو يمس بسيادة القضاء السوداني.

 

وبصفة عامة فإن شرط التحكيم إذا ما جرى تنفيذه بوساطة أحد الطرفين واتخذ إجراءات لانعقاد التحكيم وكان ذلك بطريقة صحيحة ، فإن الشرط المذكور إذا أفضى إلى حكم تحكيم أجنبي قد يكون حجة مانعة من استمرار الدعوى أمام المحكمة المختصة إن كان قانون تلكم الدولة يعترف بالتحكيم سواء كانت الدولة عضواً في اتفاقية نيويورك 1958م أم لا . ولقد قال كاتب المقالة المشار إلى مرجعها على صفحة (2) من هذا البحث شارحاً دلالة وقوة حكم التحكيم.

The legal force and effect of an award may be recognized as a defense or estoppel to an attempt to revisit the issues that were the subject of the award. 

 

ولقد تقرر في الفقه الأمريكي أنه يجب إنفاذ شرط التحكيم حتى لو كانت هناك دعوى سابقة أقيمت أمام محكمة أخرى مختصة . وأن إقامة مثل هذه الدعوى لا يمنع قيام التحكيم.

 

ففي قضية Hamilton - حيث أقام المدعي دعوى أمام محكمة نيويورك لإجبار المدعى عليه على التحكيم وليمنعه من السير في إجراءات الدعوى التي أقامها في دولة جورجيا - قال كاتب المقال - المذكور في صفحة  (2) من هذا البحث:

“In Hamilton, then, not only did the court refuse to refer to a prior - filed action by the party resisting arbitration, it recognized that the prior filing by the party in and by itself represented an act in contravention of arbitration of the kind that the Federal Arbitration Act and the contractual agreement were intended to prevent.”

صفحة (8) من المقال أعلاه .

 

بيد أن هذا النظر يثير مجدداً مسألة تنازع الاختصاص الدولي خصوصاً إذا كان حكم التحكيم قد سعى إليه أحد الأطراف بعد إقامة الدعوى أمام أية محكمة مختصة في بلد خلاف مكان التحكيم.

 

وفي ضوء ما سبق مما عليه المجتمع الدولي في شأن شرط التحكيم الدولي ، وبما أن السياق العام أن السند ومشارطة الإيجار - اللذين كثيراً ما تنصان على شرط التحكيم البحري الدولي - اداتان عالميتا التطبيق والنفاذ والمطلوب هنا - كدوله نامية تسعى جاهدة للانضمام لمنظمة التجارة الدولية واللحاق بركب الأمم المتقدمة والمتحضرة - أن يكون للسودان قضاء فصل في هذا الصدد سواء كان قضاءً بقبول شرط التحكيم الوارد في أي من سند الشحن أو مشارطة الإي جار أو قضاء برفض مثل هذا الشرط .

 

التحكيم البحري ومعاهدتا بروكسل وهامبورج :

 

في شأن التحكيم البحري ،  نجد أن معاهدة بروكسل لسنة 1924م تعديل 1968م ، تخلو من أي حكم به على الرغم من أنها تَنُصُّ على وجوب تطبيق أحكامها على منازعات سند الشحن البحري في الدول المتعاقدة أو المنضمة أو بموجب شرط الباراماونت في غير الدول المتعاقدة أو المتضمة. وكما قدمنا ، فإن وجود هذا الشرط يعني اتفاق أطراف سند الشحن البحري على تطبيق اتفاقية 1968م كقانون واجب التطبيق على المنازعة.

 

وما جاء من ذكر للتحكيم في المادة الثامنة من برتوكول تعديل اتفاقية بروكسل لا يتعلق بالمنازعات البحرية وإنما يتعلق (حصراً ) بالنزاع فيما بين الأطراف المتعاقدة لهذه الاتفاقية.

 

على خلاف اتفاقية بروكسل 1968م نجد أن اتفاقية هامبورج 1978م عنيت بالتحكيم عنايتها بقواعد الاختصاص الدولي وذلك على حسب ما جاء في المادة (22) منها . ويلاحظ أن الاتفاقية قد نصت على المكان الذي ينعقد فيه التحكيم وَفْقَ ما جاء في الفقرة (3) من المادة (22) من الاتفاقية.

 

السودان ، وهو يستشرف آفاق المستقبل كدوله نامية، ويتطلع إلى عضوية منظمة التجارة الدولية ، حري به أن يختار قواعد مرنة للاختصاص الدولي والتحكيم الدولي يطرحها في سماحه وثقة داعياً التجار والمستثمرين لاختيار المحاكم السودانية كمحاكم للعدالة والقانون.
 
نظرة المجتمع الدولي لشروط التحكيم البحري :

 

لا يجحد العالم التحكيم الأجنبي أو اختيار الاختصاص الدولي أو اختيار القانون الأجنبي ، بحسبان أن تحقيق العدل بين الخصوم فضيلة لا تحتكرها دوله دون أخرى.  وعلى وجه الخصوص في مجال التحكيم في المنازعات البحرية التي خلص العالم فيها إلى كلمة سواء لتحقيق التوازن العادل Fair balance فيما بين حقوق الناقلين وحقوق ملاك البضاعة . والحكم في المنازعة البحرية وفي أي قطر لا يخرج أصلاً من أحكام وقواعد القانون البحري الذي من أهم مصادر تشريعه الاتفاقيات الدولية في مجال التجارة بين الدول التي أصبحت أحكامها إن لم تكن أحكاماً قانونية نافذة فهي وبكل تأكيد أحكام معروفه لبلدان العالم المختلفة.

 

ويكفي لتأكيد ما سبق أن نشير إلى المادة (22) من اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع عام ( قواعد هامبورج 1978م ) التي أكدت الاعتراف باتفاق أو شرط التحكيم البحري وحددت دوائر الاختصاص لانعقاد جلسات هيئات التحكيم حسب ما ورد من تفصيل لهذا الأمر في هذه المادة .

 

شرط التحكيم البحري وتقصير الظل القضائي :

 

الناظر لهذا الأمر نظرة لا عمـق فيها يسـرع قائلاً بأهمية تقصير الظل دون ما سوى ذلك من أركان تحقيق العدل بين الناس . على وجه نظر القانون والقضاء السوداني أن الدعوى البحرية لا تقام على السفينة بذاتها action in rem” “  كما هو الشأن في القانون الإنجليزي. فالدعوى البحرية في السودان تقام على ملاك أو مستأجري السفينة “action in person am ولكن الدعوى البحرية وفي كل الأحوال ومن ناحية عملية بَحْتَةٍ تدور وجوداً وعدماً مع وجود السفينة أو وجود سفينة شقيقة لها  sister vessel. ولقد أثبتت ممارسة إقامة الدعوى بالسودان مع وجود السفينة بالسودان قدرة للمحكمة السودانية على مباشرة الدعوى وتنفيذ أحكامها.

 

وفي ضوء هذه الممارسة فإن شرط التحكيم البحري لتحكيم ينعقد خارج البلاد قد لا يضير أي طرف من أطراف الدعوى المقامة بالسودان بحسبان أن إمكانية إقامة الدعوى بالسودان قد توفر الضمان لتنفيذ حكم المحكمين الأجنبي. علماً بأن ذلك لا يكون إلا وَفْقَ قانون سوداني موضوعي للتحكيم ينظم هذه المسألة.  والأمر بالخيار وبإمكان السودان أن ينص في قوانينه على احترام التحكيم بما لا يمنع إقامة الدعوى في مجال اختصاص محاكمه والحصول على الضمان المطلوب . ولقد جاءت سابقة مستأجري السفينة ونداستار ضد شركة سوردان في هذا السياق ، غير أن ما يعيب تلكم السابقة أنها قد صدرت تحت ظل النصوص القانونية للتحكيم السارية الآن والتي تنصب المحكمة السودانية محكمة منظمة ومشرفة لإجراءات وحكم التحكيم . ولذلك فإن التطبيق القضائي في السابقة المذكورة تطبيق غير عملي من حيث أنه من غير المتصور أن يكون للمحكمة السودانية سلطان على التحكيم خارج السودان . ولهذا لا أعتقد أنه ينطوي على الاعتراف المطلوب )دولياً (بشرط التحكيم الدولي.

  

إن القانون السوداني لا يفرد نصاً باختصاص المحكمة السودانية اختصاصاً خالصاً exclusive، بل ترك أمر الاختصاص للمحاكم تقرره على حسب أطراف ووقائع كل منازعة .والمحاكم السودانية لا تفرض اختصاصها على الأجنبي إلا إذا كان مقيماً في السودان أو كان طرفاً في منازعة لها علاقة بالسودان.  علماً بأنه من بين قواعد الاختصاص الدولي الوارد في القانون السوداني ، قبول الأجنبي للاختصاص السوداني . ولذلك فهي لا تقضي بعدم اختصاصها من تلقاء نفسها.

 

في السودان ينظم قانون الإجراءات قواعد وأحكام الاختصاص الدولي. كما أن قانون المعاملات ينص على سلطة للمحكمة السودانية لتطبيق أي قانون أجنبي يتفق أطراف الخصومة على تطبيقه.

 

لا يوجد بالسودان أحكام أو قواعد بالاختصاص الدولي بخلاف ما سبق. وذلك لأن قانون نقل البضائع بالبحر لسنة 1951م والقانون البحري لسنة 1961م لا ينص أي منها على قواعد بالاختصاص الدولي على الرغم من أن كل من القانونين قد صدر لتبني أحكام وقواعد اتفاقيات دوليه اغلبها لم يغفل مسألة الاختصاص الدولي.

 

ومن جانب آخر فان مسودات القانون البحري 1996م و 1999م والمشروع الأخير لعام 2000م والتي شارك فيها نفر كريم من ذوي الخبرة والدراية والاختصاص ، قد نصت على بعض أحكام بالاختصاص للدعاوى والمنازعات البحرية بشأن التصادم البحري فقط.

 

تناولت مسألة الاختصاص في عجالة لأخلص قائلاً بأن شرط التحكيم الدولي ما هو - في حقيقته - إلا شرطاً سالباً لاختصاص المحكمة الوطنية (شرط اختصاص أجنبي) وذلك لجملة أسباب منها ، أن شرط التحكيم الدولي يختلف اختلافاً كلياً عـن شرط التحكيم داخل القطر الواحد . وان حكم المحكمين في نظر اتفاقية نيويورك 1958م وفي نظر كثير من قوانيين التحكيم في عدد من دول العالم بمثابة حكم قضائي إن لم يكن نافذاً فور صدوره فإنه ليس موقوفاً على قرار بصيرورته حكماً من المحكمة المختصة بالإشراف على التحكيم . وبالتالي فإن إثارة شرط التحكيم الدولي أمام المحكمة السودانية لا ينبغي أن ينظر إليه كشرط عادي للتحكيم. والأمر هكذا ، فإن معايير قدرة المحكمة على تنفيذ أحكامها وإعلاناتها وغير ذلك ، لا تجد مكاناً للتطبيق إلا بقدر ما تتمسك به المحكمة السودانية من اختصاص دون سـواها من أية محكمة أخرى .

 

توصـيات :

 

1- تقنين وتشريع موضوعي التحكيم .

2- الانضمام إلى اتفاقية نيويورك لسنة 1958م .