الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
الولاية على النفس في قانون الأحوال الشخصية السوداني 1902م 1991م
[رجوع]
الباحث: القاضي/ معتصم عبدالله الجاك قاضي المحكمة العليا
2003
نص البحث:

مقدمــة :

 

هذا البحث يتحدث عن التغييرات التشريعية التي حدثت في الولاية على النفس بمحاكم السودان الشرعية خلال تسعين عاماً تقريباً – أي بعد صدور قانون المحاكم الشرعية سنة 1902م.

قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في السودان يسير على المرجح من آراء فقهاء الحنفية إلا في المسائل التي تصدر فيها المحكمة العليا – دائرة الأحوال الشخصية – منشورات قضائية للعمل بموجبها أو إصدار قواعد لتفسير أحكام القانون حسب المادة (4) – 2 – من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م والتي كانت تقابلها المادة (53) من لائحة ترتيب ونظام المحاكم الشرعية.

معنى ذلك أن القضاء السوداني في مجال الأحوال الشخصية له حق الاجتهاد بتغيير المبادئ التي يستهدي بها في قانونه الموضوعي والإجرائي ولم يحدث أن تدخلت السلطة التشريعية لتقنين أحكام الأحوال الشخصية إلا في العام 1991م عندما صدر لأول مرة في السودان قانون مكتوب للأحوال الشخصية مقنناً لذلك الإرث القضائي الذي تبلور خلال تسعين عاماً تقريباً.

مر تشريع الولاية على النفس بأربعة حقب استهدى فيها في كل فترة بسمات معينة نوجزها كالآتي:

الأولى من 1902م حتى 1993م        متبعاً لأحكام الفقه الحنفي

الثانية من 1933م حتى 1960م         متبعاً لأحكام الفقه المالكي

الثالثة من 1960م حتى 1991م         متبعاً لمنهج توفيقي بين المذهبين

الرابعة مــــــن 1991م          لم يتقيد فيها بمذهب معين

 

سأتعرض لأحكام الولاية في الحقب الأربعة المشار إليها مستعرضاً في إيجاز أحكام الولاية في المذهبين الحنفي والمالكي شارحاً للتغييرات التي حدثت في التشريع في المراحل التالية لهما محاولاً إلقاء الضوء على العناوين التالية:

1- الولي وشروطه

2- ترتيب الأولياء

3- غياب الولي

4- العضل

الحقبة الأولى من 1902م حتى 1933م المذهب الحنفي:

(أ ) الولي وشروطه:

كانت المحاكم الشرعية السودانية تستهدي بأحكام الفقه الحنفي وللولي شروط يجب توافرها حتى تثبت له الولاية على نفسه أولاً ثم على غيره ثانياً ، وهي:

1- أن يكون كامل الأهلية ، وكمال الأهلية في نظر الفقه الإسلامي يكون بالبلوغ والعقل والحرية ، إذ الصغير أو المجنون ليس لواحد منهما أهلية الولاية على نفسه والعبد لاشتغاله بخدمة مولاه وقيامه بمطالبه لا يتسع وقته للنظر في شئون غيره ومنافعه مملوكة لسيده ولم يعتبره الفقهاء أهلاً للملكية .

2- أن يكون متحد الدين مع المولى عليه ، ولو كان للصغيرة المسيحية أخوان شقيقان أحدهما مسلم والآخر مسيحي كانت الولاية على تزويجها لأخيها المسيحي ، غير أن الفقهاء استثنوا من هذا الشرط الإمام ونوابه حيث تثبت ولايتهم على المسلمين وغيرهم لأنه صاحب الولاية العامة التي لا تتحقق مصالح الكافة إلا بها ([1]).

تجدر الإشارة إلى أن الإمام أبا حنيفة وأبا يوسف في ظاهر الرواية جعلا للمرأة البكر البالغة الحق في أن تزوج نفسها متى كان الزوج كفؤاً لها والمهر مهـر أمثالها ولا اعتراض لأحد عليها ، كما لها الحق في أن تزوج غيرها أيضاً ، ولكن يستحب أن تكل ذلك إلى وليها حتـى لا تنسب إلى الابتذال ([2]).

 

(ب) ترتيب الأولياء :

      ترتيب الأولياء في الولاية كترتيبهم في الإرث عند الشيخين فيقدم من كان من جهة البنوة أي الابن وابن الابن ، ثم من كان من جهة الأبوة أي الأب وأبو الأب ، ثم من كان من جهة الاخوة ، ثم من كان من جهة العمومة ، وعلى هذا الترتيب تكون الولاية في الزواج للأقرب فالأقرب .

      أما إذا لم يوجد ولي عاصب من هؤلاء ، فقد ذهب الإمام ومعه أبو يوسف في الأصح عنه أن الولاية تنتقل بعد العصبات إلى سائر أقارب الزوجة من أصحاب الفروض وذوي الأرحام وحجتهما في ذلك أن الولاية شرعت للنظر في مصالح المولى عليه وتفويض الولاية إلى هؤلاء الأقارب " وإن بعدوا " أولى من تفويضها إلى الإمام لأنه مشغول بمصالح العامة ، خلافاً للإمام محمد الـذي يرى أنه ليس لغير العصبات ولاية بل تنتقل بعدهم إلى الإمام.

 

(ج) غياب الولي:

لا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب الذي تحققت فيه شروط الولي ، فإذا فقد الأقرب شرطاً من شروط الولاية انتقلت إلى من يليه ، وإذا كان الأقرب غائباً بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه فإن الولاية تنتقل إلى من يليه حتى لا تفوت المصلحة ، وليس للغائب بعد عودته أن يعترض على من باشره ممن يليه لأنه لغيبته اعتبر كالمعدوم وصارت الولاية حق من يليه ([3]).

تجب الإشارة هنا إلى أن هذا الرأي ينفرد به الحنفية ، وهو انتقال الولاية  لمن يلي الولي الغائب وهذا الرأي أخذ به القانون السوداني منذ العام 1933م الذي صدر فيه المنشور الشرعي (35).

(د) العضل:

كما تجدر الإشارة إلى أن الحنفية يقسمون الولاية على النفس إلى قسمين ولاية ندب واستحباب كالولاية على البالغة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً ، وتسمى ولاية إختيار وولاية بشركة لأنه ليس للولي فيها أن يجبر من تولى عليها بل ينبغي أن يكونا متفاهمين ومتلاقيين على مراد واحد . وولاية إجبار وهي الولاية على الصغير والصغيرة والمعتوه والمعتوهة والراجح أن السبب في ولاية الإجبار هي الصغر في الصغير وقصور العقل في المجانين والمعاتيه . أما الصغيرة فقد اختلف الفقهاء في علة الولاية عليها ، فقال الشافعي ومالك وأحمد على قول أن العلة هي البكارة التي تثبت الولاية بموجبها حتى بعد البلوغ ، لأن البكر لا تعرف مصالح النكاح ولا تدرك التفاوت بين الرجال . ويرى أبو حنيفة وأصحابه أن علة الولاية في الصغيرة مثلها في الصغير ، لأن الصغر سبب العجز الذي استوجب الولاية لسد القصور وتفادي الضرر ، والقول باستمرار الولاية على البكر بعد البلوغ عند الحنفية يعارض الثابت من المأثور الذي ينص على وجوب استئثار النساء في ابضاعهن . وإذا كان البلوغ سبباً في ولاية البالغة الرشيدة على مالها ، فينبغي كذلك أن تثبت ولايتها أمر زواجها مشتركة مع وليها أو منفردة على رأي لذلك أيضاً يرى الأحناف أن امتناع الولي عن تزويج من له حق الولاية عليها بكفء وبمهر المثل بغير عذر مقبول فإن الولاية في هذه الحالة لا تنتقل إلى من يليه بل تنتقل للقاضي لأن العضل ظلم وولاية رفع المظالم للقاضي.

الحقبة الثانية من 1933 حتى 1960 – المذهب المالكي

لما كانت أغلبية المسلمين في السودان تقلد المذهب المالكي نجد أنهم لم يقبلوا أن تستقل المرأة بالتزوج ممن تشاء دون إذن وليها ، بل إن مجرد استشارتها لم يكن أمراً مقبولاً ، فنجد أن المشرع أصدر المنشور (53) للمحاكم طالباً منها التقيد بأحكامه المأخوذة من الفقه المالكي ومعنى ذلك إلغاء حق البكر البالغة من أن تلي أمر زواجها مستقلة عن وليها . ولنستعرض الأحكام الواردة في الموضوع :

(أ ) شروط الولي عند المالكية :

1- الذكورة ، فلا تصح ولاية الأنثى ولو ملكة

2- الحرية ، فلا تصح ولاية عبد ولو بشائبه

3- البلوغ ، فلا يصح من صبي ولاية

4- العقل ، فلا تصح ولاية مجنون ومعتوه وسكران

5- الإسلام ، فلا يصح أن يتولى عقد النكاح كافر ولو كان أباها ، أما الكافرة الكتابية يتزوجها مسلم فيجوز لأبيها الكافر أن يعقد لها عليه وإن زوج مسلم بنته الكافرة لكافر ترك (الخلو) أي خلو الولي من (الإحرام) بحج أو عمره ([4]) ولم يشترط المالكية في الولي العدالة أو الرشد ، ولا يعد الخرس ولا العمي ولا الإغماء في الأصح من موانع الولاية.

 

تنقسم الولاية عند المالكية إلى نوعين – ولي مجبر – وهو:

1- للأب ، أي أن له جبر بنته البكر البالغ على الزواج بمن يراه ولو بدون صداق المثل ولو لمن هو ليس بكفء لها أو لقبيح منظر ([5]).

2- لوصي الأب ، بشرط أن يوصيه الأب صراحة بالجبر كأجيرها أو زوجها قبل البلوغ وبعده أو يعين له الزوج ، وقد نصت المادة (8) من المنشور الشرعي (35) أن له الحق في الجبر ولو جاءت الصيغة معممة . وجمهور الفقهاء يرى أن الإيصاء في الزواج لا يصح لأن الإنكاح إلى العصبات بنص الحديث.

ولكن المالكية يشترطون على وصي الأب لو أراد جبر الموصي على زواجها ألا يزوجها بفاسق وأن يكون المهر مهر أمثالها. 

من تثبت عليه ولاية الإجبار:

1- البكر الصغيرة

2- وكذلك البكر البالغة غير العانس خلافاً للحنفية

3- البكر البالغ العانس على المشهور والعانس هي التي طالت إقامتها عند أبيها وعرفت مصالح نفسها ولم تتزوج ، واختار المنشور (35) أن البكر البالغ العانس التي بلغت ثلاثة وثلاثين عاماً لا تجبر (مادة 3).

4- الثيب التي طلقها زوجها أو مات عنها قبل البلوغ ثم بلغت قبل النكاح فلا تجبر على قول ابن القاسم وبه أخذ المنشور الشرعي (مادة 5).

5- الثيب البالغة إن ثيبت بعارض أو بغصب على المشهور واختلف فيمن ثيبت بزنًى.

6- الثيب البالغة إذا ظهر فسادها وعجز وليها عن صونها يجبرها أبوها على الزواج.

7- المجنونة جنوناً مطبقاً ولو ولدت الأولاد ، أما من تفيق فينتظر إفاقتها حيث كانت ثيباً بالغاً.

8- الابن الصغير لمصلحة كتزويجه من شريفة أو غنية أو بنت عم ([6]).

 

أحكام عامة تتعلق بولاية الإجبار:

لا يملك الولي جبر موليته التي له عليها حق الإجبار على زواج ذي عاهة موجبة للخيار وهو:

1-    الخصي  2- المجنون  3-  الأبرص  4- المجذوم  5- العنين.

مادة (3) من المنشور (35) وسائر المعيبين بعيب يرد به الزوج.

ــــــــــــــــــــ

1) أقرب المسالك ج (2) ص 235 وما بعدها

الولي غير المجبر:

هو من له حق تزويج موليته لكن بشرط أن ترضى بالزوج والمهر وتأذن له في تولي العقد ، والأولياء غير المجبرين هم:

1- العصبة :

وهم مرتبون في الأحقية كالآتي:

(أ ) الابن ولو من زنا ما لم تكن المرأة مجبرة

(ب) ابن الابن وإن نزل

(ج) الأب الشرعي 

(د ) الأخ لغير الأم ويقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب

(هـ) ابن الأخ وإن سفل

(و) الجد الأدنى

(ز) العم الأدنى

(ح) ابن العم

(ط) أبو الجد

(ي) عم الأب ([7]).

2- المولى الأعلى : وهو من أعتق المرأة

3- الكافل: وهو من قام بأمور المكفولة حتى بلغت عنده والمراد بالمكفولة من مات أبوها وغاب أولياؤها وأن تمضي عند الكافل مدة توجب الشفقة والحنان وأن تكون دنيئة ، فإن لم تكن دنيئة فلا يزوجها إلا الحاكم ، ولكن المادة (5) من المنشور الشرعي جرت على أن الكافل للمكفولة دنيئة كانت أو شريفة وهو رأي في المذهب المالكي ؟ أي لم يفرق بين الدنيئة أو الشريفة ، والدنيئة هي من لا قدر لها أي ليست ذات مال ولا جمال ولا حسب.

4- الحاكم: وهو السلطان أي القاضي وإن كان يأخذ أجراً على توليه العقد ، ولا يتولى الحاكم التزويج إلا بعد أن يتحرى ويثبت عنده الآتي:

(أ ) خلوها من المرض

(ب) خلوها من الموانع الشرعية

(ج) أن الزوج كفء لها في الدين والعمل بالأحكام الشرعية والحرية والحال (أي السلامة من العيوب).

(د ) أن المهر مهر أمثالها

(هـ) رضاها بالزوج.

 

وإتيان الكفاءة ومهر المثل إنما يحتاج إليه في غير الرشيدة ، إذ أن الرشيدة لها الحق في إسقاط الشرطين ، ولو عقد الحاكم من غير بحث في هذا الأمر جاز.

 

 

5- الولاية العامة: تثبت لكل مسلم ( أنظر المادة (5) من المنشور(35) ([8]) من

تثبت عليها ولاية الاختيار:

أي من لا يستبد الولي بتزويجها بدون إذنها وهن:

1- البالغة إذا زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد

2- البالغة البكر التي رشدها أبوها في زواجها ومالها

3- البالغة البكر التي أقامت مع زوجها سنة من حين مباشرة الزوج لها وأنكرت الوطء بعد فراقهما

4- الصغيرة اليتيمة البالغة من العمر عشر سنين وخيف فسادها ، وكذلك الصغيرة التي غاب عنها الأب وقطع النفقة وخشي عليها الضيعة يزوجها الحاكم ، المادة (17) من المنشور نصت أن العقد يصح بولي أبعد مع وجود ولي أقرب غير مجبر كعم مع أخ أو أب مع ابن أو أخ لأب مع أخ شقيق ، وكما يجوز تزويج الأبعد مع وجود الأقرب فإنه يجوز تزويج أحد المتساويين بدون إذن الآخر كأن يزوج أحد الأعمام أو الأخوة الأشقاء من غير أن يأذن له من يساويه في الولاية.

غيبة الولي المجبر:

إذا غاب الولي المجبر غيبة قريبة ( وهي تقدر بعشرة أيام ذهاباً ) أو كان حاضراً ثم زوج غيره من الأولياء ابنته بدون إذن أو تفويض منه فإن النكاح يفسخ أبداً بطلقة بائنة ولو أجازه المجبر بعد علمه ولو ولدت المرأة الأولاد ولكن يشترط لقبول اعتراض الولي المجبر:

(أ ) أن يكون منفقاً على موليته

(ب) أن تكون موليته غير مخشي عليها الفساد

(ج) أن تكون الطريق مأمونة إلى الجهة التي غاب إليها لإمكان وصول الخبر إليه بلا مشقة.

فإن فقد شرط من الشروط الثلاثة فالقاضي هو الذي يزوجها لا غيره . ثم إنه يشترط أيضاً لفسخ الزواج في هذه الحالة ألا يكون الولي المجبر قد قصد بغيبته الإضرار بابنته ، فإن ثبت ذلك كتب له الحاكم بالحضور أو أن يوكل غيره وإلا زوجها عليه لأنه صار كالعاضل – أنظر المادة (22) من المنشور.

اختلف المالكية في تقدير الغيبة البعيدة ( كأفريقية من مصر ) وقيل ما استغرق زمن الوصول إليه ثلاثة أشهر ولم يرج قدومه فالحاكم هو الذي يزوج موليته بإذنها دون غيره من الأولياء ، وذلك لأن الحاكم ولي من لا ولي له وهو ولي الغائب وهو مجبر ولا كلام لغيره معه . المادة (3) من المنشور ذكرت أن المعتبر في الغيبة خوف الفساد وعدمه ، أما طـول الإقامة وقصرها فلا عبرة به . أما الغائب الذي لا يعلم موضعه كالأسير والمفقود فإنه يعتبر ميتاً وتنتقل الولاية لمن بعده على المشهور ولكن ينبغي أن يثبت الولي عند الحاكم طول غيبة الأب وانقطاع خبره والجهل بمكانه – أنظر المادة (25) من المنشور.

 

العضل عند المالكية:

الولي المجبر:

يكون الولي المجبر عاضلاً لمجبرته إذا تحقق منه قصد الإضرار  بها ، ولا يكون مجرد رده للكفء الذي خطبها ورضيت به عضلاً – ولو تكرر منه الرد – سواء كان الخاطب الذي رده واحداُ أو كانوا أكفاء متعددين ، وإنما لم يعتبر الأب عاضلاً بالرد لأنه لا يجب عليه الإجابة لكفئها لأن له جبرها إلا لمن استثناهم فيما سبق ، ولأن ما جبل عليه الأب من الحنان والشفقة مع جهل البنت بمصالح نفسها يجعله لا يرد الخاطب إلا إذا علم ما لا يوافق ، وقد روي أن الإمام مالك منع بناته وقد رغب فيهن خيار الرجال وفعله العلماء قبله وبعده وحاشاهم أن يقصدوا الضرر ( دسوقي 270 – 271 ).

قال الدردير: هذا وإذا عضل المجبر مجبرته أمره الحاكم بالتزويج فإن امتثل فيها وإلا زوجها الحاكم.

الولي غير المجبر:

      إذا خطب المرأة الكفء ورضيت وجب على وليها غير المجبر أن يزوجها منه ، وكذا يجب عليه إجابة طلبها إن أرادت هي كُفْءً وأراد هو كفئاً غيره لأن تزويجها بالكفء الذي أرادته أدعى لدوام العشرة بينهما ، فإذا امتنع الولي غير المجبر في هاتين الحالتين سأله الحاكم عن وجه امتناعه فإن أبدى وجهاً مقبولاً ردها إليه ، وإن لم يبد وجهاً صحيحاً اعتبر عاضلاً ، لأن عدم إجابة طلبها من غير عذر مقبول مع كونها مضطرة لعقده فيه ضرر لها. 

إذا عضل الولي غير المجبر موليته أمره الحاكم بتزويجها فإن امتنع من تزويجها بعد الأمر زوجها الحاكم أو وكل من يعقد عليها ولو أجنبياً عنها.

 

الحقبة الثالثة من 1960 حتى 1991م:

في 3 ذي الحجة 1379هـ الموافق 28/5/1960م صدر المنشور رقم (54) من محكمة عموم السودان الشرعية وقد جاء في صدره ما يلي : " يلغى المنشور رقم (35) وملحقاته ويستبدل بالآتي : " . ويلاحظ أن أهم ما جاء في المنشور هو اشتراطه الولي لصحة الزواج مادة (21) وهو في هذا يتفق مع المالكية والجمهور ، كما أسقط حق الإجبار للولي وأعطى البكر البالغة الحق في عدم إجبارها على الزواج لمن يراه الولي وهو في هذا يتفق مع الأحناف.     

 

ترتيب الأولياء:

هو نفس ترتيب الأولياء المنصوص عليه في المادة (15) من المنشور (35) مع إسقاط عبارة " إذا لم تكن المخطوبة مجبرة " وهو في هذا أيضاً يتفق مع المالكية ويختلف في ترتيب الأولياء في المذهب الحنفي ([9]).

 

غياب الولي:

المادة (4) من المنشور (54) نصت أنه إذا تزوجت المرأة بالولاية العامة وكان لا ولي خاص موجود في مكان العقد أو في مكان قريب يمكن أخذ رأيه  فيه ، فإن العقد يفسخ أبداً دخل بها الزوج أم لا طال الزمن أم قصر ولو أجازه الولي الخاص وأنه لا فرق بين الدنيئة والشريفة.

هذه المادة تقابل المادة (16) من المنشور (35) وإن اختلفت معها في التفاصيل التي حسمها المنشور (54) بإسقاط حق الإجبار وبعدم التمييز بين الشريفة والدنيئة وبالدخول وعدمه .

كما أن المادة (5) من المنشور (54) نصت على صحة العقد إذا تولاه أحد وليين متساويين في القرابة كعمين أو أخوين بدون إذن الآخر وهو متفق في ذلك مع مذهبي الحنفية والمالكية.

 

المادتان السادسة والسابعة من المنشور (54) بينتا الأحكام التالية والتغيير الذي أحدثه المنشور:

1- أن الولي لا يزوج موليته البالغة سواء كانت بكراً أم ثيباً إلا إذا أذنته في تزويجها ، ورضيت بالزوج والمهر . وهذا الحكم يختلف اختلافاً أساسياً عما كان عليه العمل في المحاكم السودانية التي كانت تثبت ولاية الإجبار للأب ووصيه بشروط خاصة على البكر البالغة ، فليس للولي الآن حق الإجبار.

2- أن المرأة مصدقة في دعواها البلوغ إلا إذا كذبها الظاهر.

3- أن سكوت البكر يعتبر رضاً بالزوج والمهر.

4- أن الولي إن زوج البكر البالغة رغم رفضها صراحة أو دلالة للزوج فإن العقد يكون باطلاً ويفسخ ولو أجازته بعد ذلك.

5- إن الولي إذا عقد على البكر البالغ من غير استئذانها ثم أخبرها بالعقد فلابد من قبولها بالقول صراحة فإن لم تقبل فسخ العقد.

 

يجدر أن نذكر هنا أن المادة (5) من المنشور (54) نصت أنه إذا رفض الولي تولى العقد من غير عذر شرعي يعتبر عاضلاً وأن الذي يتولى زواج المرأة في هذه الحالة هو القاضي . غير أن المادة (5) أجازت تولي الولي الأبعد العقد في حالة العضل وإن كان الحق للقاضي.

 

الحقبة الرابعة والتي بدأت بالعام 1991م

في 24/7/1991م صدر لأول مرة في السودان قانون مكتوب للأحوال الشخصية للمسلمين وقد نصت المادة 2(ب) على إلغاء عدد من المنشورات ومن بينها المنشور (54) وملحقاته ، ويلاحظ أن القانون أبقى على أحكام المنشور (54) مع بعض التعديلات نذكرها في الآتي:

الولي وشروطه:

المادة (25) من القانون تحدثت عن شروط العقد ليكون صحيحاً بثلاثة أركان هي:

(أ ) إشهاد الشاهدين

(ب) عدم إسقاط المهر

(ج) الولي بشروطه طبقاً لأحكام القانون.

 

وقد بينت المادة (32) ذلك حين عرفت الولي في الزواج بأنه العاصب بنفسه على ترتيب الإرث ، ومعنى ذلك أن القانون أبقى على حكم اشتراط الولي مخالفاً بذلك المذهب الحنفي ، إلا أنه عاد ليتفق مع الحنفية حين عرف الولي بأنه العاصب بنفسه على ترتيب الإرث ، وبذلك يكون القانون قد خرج على حكم المنشورين (35) و(54) من ترتيب الأولياء.

المادة (33) اشترطت في الولي أن يكون ذكراً عاقلاً بالغاً مسلماً إذا كانت الولاية على مسلم ، وهي نفس شروط المالكية والجمهور.

ترتيب الأولياء:

المادة (379) من القانون عرفت العاصب بنفسه كما يلي:

العصبة بالنفس جهات مقدم بعضها على بعض وفقاً للترتيب الآتي:

(أ ) البنوة وتشمل الأبناء وأبناء الابن وإن نزلوا

(ب) الأبوة وتشمل الأب لوحده

(ج) الجدود والاخوة وتشمل أب الأب وإن علا والأخ الشقيق والأخ لأب

(د ) بني الاخوة وتشمل أبناء الاخوة الأشقاء أو لأب وإن نزلوا

(هـ) العمومة وتشمل العم الشقيق والعم لأب وأبناءَهم وإن نزلوا.

غير أن القانون أخذ برأي الإمام محمد في مذهب الحنفية عندما قصر الولاية على العصبة فقط خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف اللذين أجازا لذوي الأرحام تولي العقد باعتبارهم من الورثة عند انعدام الوصية ، وقد صرف القانون الولاية في هذه الحالة للحاكم حسب نص المادة (38) بأن القاضي ولي من لا ولي له.

ويلاحظ أيضاً أن الفقرة (2) من المادة (32) نصت أنه إذا استوى وليان في القرب فيصبح الزواج بولاية أيهما ، وبهذا يتفق القانون مع مذهبي الحنفية والمالكية.

غياب الولي:

الفقرة (3) من المادة (32) من القانون تحدثت عن الحالة التي يتولى فيها الولي الأبعد العقد مع وجود الولي الأقرب وبغير إذنه ، فقالت إن العقد يكون موقوفاً على إجازة الأقرب ، وهذا يعني أن القانون أخذ برأي المذهب الحنفي باعتبار الأبعد فضولياً ، مع أن رأي المالكية هو الصحة حسب نص المادة (17) من المنشور (35).

الفقرة (4) من المادة (32) من القانون نصت أنه يصح العقد بإجازة الولي الخاص إذا تزوجت امرأة بالولاية العامة مع وجوده في مكان العقد أو في مكان قريب يمكن أخذ رأيه فيه ، فإن لم يجز فيكون له الحق في طلب الفسخ ما لم تَمْضِ سنة من تاريخ الدخول . المادة (4) من المنشور (54) قالت أنه في هذه الحالة يفسخ العقد دخل بها أم لم يدخل طال الزمن أو قصر ولو بعد إجازة الولي الخاص . إذن القانون يختلف مع المنشور (54) ومع المنشور (35) الذي نصت المادة (16) منه على التفريق بين الولي المجبر وغيره والمرأة الدنيئة وحكم العقد في الحالتين . والمالكية حددوا زمناً للفسخ واشتراط الدخول باختلاف المرأة والولي . والقانون لم يقل بذلك.

العضل في القانون:

المادة (34) الفقرة (1) من القانون نصت أن البكر البالـغ يزوجها وليها بإذنها ورضاها بالـزوج والمهـر ويقبل قولها فـي بلوغها ما لم يكذبها الظاهر . هذه المادة هي نفسها المادة (6) من المنشور (54) والتي توافق رأي الأحناف.

كما أن الفقرة (2) من المادة (34) من القانون تتفق مع المادة (7) من المنشور (54) في لزوم قبول البكر إذا عقد عليها وليها فلابد من قبولها صراحة.

المادة (37) من القانون تحدثت عن أن القاضي يتولى تزويج البكر البالغة إذا امتنع الولي عن تزويج موليته متى طلبت الزواج وثبت له أن وليها ممتنع عن التزويج بلا مسوغ شرعي وهو في هذا يتفق مع رأي الفقهاء أنه في حالة العضل يتولى القاضي التزويج.

يلاحظ أن القانون نص في المادة (40) الفقرة (2) أن يكون التمييز ببلوغ سن العاشرة مع ملاحظة أن المنشورات الشرعية تحدثت عن القاصرة التي بلغت العاشرة ولم يتحدث المنشوران عن سن التمييز بل اشترطا أن تبلغ القاصرة سن العاشرة للزواج بها وهو في هذا يعتبر أيضاً مخالفاً لقانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م والذي نص في المادة (22) الفقرة (4) أن سن التمييز هي سبع سنوات متفقاً بذلك مع المذهب الحنفي.

 

 


الخاتمـة

 

1- هذا البحث الغرض منه إعطاء فكرة عن مراحل التشريع السوداني في مجال الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالولاية على النفس وملحق بهذا البحث المنشوران الشرعيان رقم (35) ورقم (54) وملحقاتهما ، غير أنه يجب الإشارة إلى أن التشريع السوداني في الفترة التي أخذ فيها برأي المالكية      ( 1933م – 1960م ) رجع للأخذ برأي الحنفية في حالة غياب الولي الأقرب بحيث لو انتظر حضوره يخشى فوات الزوج الكفء فتزوج بولاية الأبعد وقد مشى على ذلك الأمر في التشريعات اللاحقة.

2- يلاحظ أن المذهب المالكي أكثر تفصيلاً في مجال الولاية على النفس

3- تتفق كل المذاهب في الحكم بالعضل

4- الحنفية بالرغم من إجازتهم تولى البكر البالغ العقد إلا أنهم يحبذون أن يلي عقد الزواج وليها الذكر حتى لا تنسب إلى الابتذال وذلك مراعاة لظروف اجتماعية تترتب على الزواج.

5- إن التغييرات التي مر بها التشريع السوداني تعكس التطورات الاجتماعية المختلفة التي مر بها ذلك المجتمع.

6- إن سلطة التشريع في مجال الأحوال الشخصية التي تميز بها القضاء السوداني ظاهرة جديرة بالدراسة ، وآمل أن أتعرض لها في مقال لاحق بإذن الله.

7- أن هناك رأياً وسطاً قال به الفقهاء المعاصرون ومنهم أستاذنا الكبير الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير في كتابه محاضرات عن نظام الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية بالسودان ص (26) حين   قال : " والذي أراه أن الحق بين هذين الأمرين لأن الأدلة التي اعتمد عليها كل من الفريقين – الحنفية والمالكية – لا تؤيد دعواه تأييداً كاملاً ، وأن النظر فيها مجتمعة يؤدي إلى رأي وسط هو أن عقد الزواج لابد فيه من رضاء المرأة ووليها ، وحتـى يتحقق رضاهما فأيهما باشر العقد صح الزواج ، لا فرق بين الولي والمرأة الكاملة الأهلية ، والواقع أنه إذا رضي الولي والمرأة بالزواج فإن الشيء الطبيعي أن يتولى الولي العقد ، ومباشرة المرأة عقد زواجها بنفسها لا يحصل في العادة إلا في حالة النزاع بينها وبين وليها.

وهذا الرأي الذي نرى الأخذ به وقال به كثير من الفقهاء المعاصرين وهو منقول عن أبي ثور من مجتهدي الشافعية وهو الذي يحصل به التوفيق بين النصوص ويتفق مع المعقول ويحقق مصلحة الأسرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجـع

 

1- أقرب المسالك والشرح الصغير ج (2) للعلامة الدردير.

2- الأحوال الشخصية حسب المعمول به في المحاكم الشرعية المصرية والسودانية والمجالس الحسبية للأستاذ معوض محمد مصطفى سرحان.

3- محاضرات عن نظام الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية بالسودان للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير.

4- أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية وما يجري عليه العمل في المحاكم الشرعية الإسلامية ( في لبنان ) للشيخ حسن خالد وعدنان نجا.

5- قانون الأحوال الشخصية للمسلمين السوداني لسنة 1991م.

6-  المنشور الشرعي رقم (35) وملحقاته

7- المنشور الشرعي رقم (54) وملحقاته

8- قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م .


بسم الله الرحمن الرحيم

 

أثر تصرف الوارث في أعيان التركة قبل تسلم

حجة بيان نصيبه في صافي التركة

 

[ بقلـم ] 

القاضي/  الطيب الفكي موسى

قاضي المحكمة العليا

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد فقد دفعني لكتابة هذا البحث اختلاف السوابق القضائية وتعارضها في تفسير نص المادة (664) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م التي تنص على الآتي : " لا يجوز للوارث وقبل أن يتسلم حجة بيان نصيبه في صافي التركة أن يتصرف في مال التركة ولا يجوز له أن يستأدي ما للتركة من ديون أو أن يجعل ديناً عليه قصاصاً بدين عليها ".

ذهب بعض هذه السوابق القضائية إلى أن تصرف الوارث في نصيبه قبل تسلم حجة بيان نصيبه ، لا يعتبر باطلاً وإنما يكون العقد غير قابل للنفاذ ، بينما ذهب بعض السوابق إلى أن تصرف الوارث قبل معرفة حجة بيان نصيبه في صافي التركة يكون باطلاً أخذاً من ظاهر نص هذه المادة ومن ناحية أخرى ذهب بعض السوابق إلى أن هذا التصرف لا يعد باطلاً قبل حصر التركة أمام المحكمة الشرعية . وذهبت إحدى* السوابق بدائرة المحكمة العليا – دائرة المراجعة إلى أن التركة إذا كانت خالية من الديون والالتزامات الأخرى على الميت ، يكون تصرف الوارث قبل معرفة بيان نصيبه صحيحاً.

للوصول لسبب تعارض هذه السوابق في تفسير هذه المادة ، يتعين تأصيل هذه المسألة من مصادرها في الفقه الإسلامي الذي استقى منه قانون المعاملات المدنية نصوصه . ثم نتبع ذلك بما عليه العمل في القانون المصري والقانون الأردني والقانون السوداني في تعرضها لهذه المسألة وعليه فإن خطة هذا البحث تحتوي خمسة فصول ، الفصل الأول في تعريف التركة ، ووقت انتقالها للورثة وكيفية تصرف الوارث فيها في الفقه الإسلامي . الفصل الثاني تصرف الوارث في التركة في القانون المصري ، والفصل الثاني في تصرف الوارث في التركة في القانون الأردني ، والفصل الرابع في تصرف الوارث في التركة في القانون السوداني والفصل الخامس يختصُّ بمناقشة وتحليل بعض السوابق القضائية على ضوء ما ذكر من وقائع ونصوص . ثم نخلص بعد ذلك لنتائج البحث والتوصيات.

الفصل الأول

تعريف التركة ووقت انتقالها للورثة وكيفية تصرف الوارث فيها في الفقه الإسلامي:

تعريف التركة عند الأحناف

التركة عند الأحناف هي ما تركه الميت من الأموال صافياً عن تعلق حق الغير بعين الأموال . فأما الأموال التي تعلق بها حق الغير كالمرهون في يد المرتهن والمبيع في يد البائع لاستيفاء الدين ، ليست من التركة [10]

والتركة عند المالكية : هي حق يقبل التجزى يثبت لمستحق بعد موت من كان ذلك له لقرابة بينهما " (1).

وكلمة حق تشمل المال وغيره كالحيار والشفعة والقصاص ومعنى قبول الحق للتجزى أن يكون قابلاً لأن يقال لهذا نصفه ولهذا نصفه ولو لم يكن قابلاً للإفراز أو القسمة كالقصاص والشفعة والحيار . أما الحقوق التي لا تقبل التجزى كولاية النكاح ليست بتركة فإن ولاية النكاح وإن انتقلت للأبعد بعد موت الأقرب فإنها لا تقبل التجزئة فكل واحد من الاخوة بعد الأب مثلاً له ولاية كاملة لا أنها موزعة عليهم[11]  

والتركة عند الشافعية هي كل ما كان للإنسان حال حياته وخلفه بعد مماته من مال أو حقوق أو اختصاص . ولذلك ما دخل بعد موته في ملكه بسبب كان منه في حياته كصيد وقع في شبكة نصبها في حياته فإن نصبه للشبكة للاصطياد هو سبب الملك فقد اسند الملك لفعله فكان ما وقع فيها تركة.

وعرف الحنابلة التركة بأنها الحق المخلُّف عن الميت ويقال لها أيضاً  التراث.

وقد استند جمهور الفقهاء على أن التركة هي حق أو مال على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " من ترك مالاً أو حقاً فلورثته ومن ترك كلا أو عيالاً فاليٌّ . على حين يرى الأحناف أن كلمة حقاً ليست ثابتة في الحديث ما لم يثبت فلا يكون دليلاً.

انتقال التركة للورثة وكيفية تصرفهم فيها

معلوم أن الوارث يخلف مورثه في أمواله كما رأينا في تعريف التركة فما هو تكييف هذه الخلافة؟ هل هي خلافة تامة أم خلافة ناقصة وهل يتعلق حق الخلافة بأعيان التركة أم بقيمتها المالية ومتى تنتقل التركة للورثة؟ وهل تنتقل للورثة مجملة بديونها والتزاماتها أم تنتقل إليهم بعد سداد الديون والالتزامات الأخرى؟ .

اختلفت المذاهب الفقهية في تحديد وقت انتقال التركة إلى ملك الورثة ، فمنهم من ذهب إلى بقاء التركة على ملك الميت لحين سداد ما عليها من ديون والتزامات ومنهم من ذهب إلى انتقالها فوراً بعد وفاة المورث مثقلة بالديون والالتزامات ، ومنهم من ميز بين حالة التركة المستغرقة بالديون والتي بها مال يكفي لسداد الديون.

يرى الأحناف أنه لا ملكية للوارث إذا كان الدين محيطاً بالتركة أي إذا كانت مستغرقة بالدين ويكون بقاؤها على ملك المورث حفاظاً على حقوق الدائنين وإن لم يكن محيطاً كذلك لا ينتقل للوارث وبالتالي يكون أي تصرف في مالك التركة باطلاً ولا يستطيع الورثة أن يستخلصوا أموال التركة إلا إذا دفعوا كل الديون ولا يكفي أن يدفعوا قيمة التركة هذا هو الرأي المشهور في المذهب  الحنفي . وهنالك قول في المذهب يرى أنه يكفي لاستخلاص أموال التركة أن يدفع الورثة للدائنين قيمة هذه الأموال لا جميع الديون وهنالك من فقهاء الحنفية من يذهب إلى أن تصرف الوارث في هذه الحالة صحيحاً نافذا إذا ما بقى في التركة ما بقى سداد الدين أو أجاز الدائن التصرف. 

يقول السرخسي: قال علماؤنا رحمهم الله الدين إذا كان محيطاً بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة وإن لم يكن محيطاً فكذلك في قول أبى حنيفة رحمه الله الأول وفي قوله الآخر لا يمنع ملك الوارث بحال لأنه يخلف المورث في المال والمال كان مملوكاً للميت في حال حياته مع اشتغاله بالدين كالمرهون فلذلك يكون ملكاً للوارث . وحجتنا في ذلك قوله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فقد جعل الله تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدين والحكم لا يسبق أوانه فيكون حال الدين كحال حياة المورث في المعنى ثم الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته ، فأما المشغول بحاجته لا يخلفه وارثه فيه وإذا كان الدين محيطاً بتركته فالمال مشغول بحاجته وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف ولا يقول يبقـى مملوكاً بغير مالك ولكن تبقى مالكية المديون في ماله حكماً لبقاء حاجته (المبسوط للسرخسي ج 29 صفحة 137).

ويرى المالكية بقاء أموال التركة على ملك الميت حتى يسدد الدين . وعلى ذلك يعتبر تصرف الوارث في التركة قبل سداد الدين باطلاً سواء كانت التركة مستغرقة بالدين أو لم تكن مستغرقة وهنالك رأي آخر في المذهب يرى أن تصرف الوارث في التركة المدينة قبل أداء الدين صحيح إذا لم يمس حقوق الدائنين كأن يأذن فيه الدائن قبل أن يباشره الوارث أو ينزل عن دينه أو يبقى في التركة ما يكفي لسداد الدين ولا فرق في ذلك كله بين أن يكون الدين مستغرقاً للتركة أو غير مستغرق وإذا لم يستطع الدائنون أخذ حقهم إلا من المبيع فلذلك حالتان:

أن يكون الوارث عالماً بالدين وقت تصرفه أو يكون الميت مشهوراً بأنه مدين . وعند ذلك يفسخ البيع إلا إذا دفع المشتري قيمة المبيع قبل قبضه فإذا دفعها لزم البيع ورجع المشتري على بائعه من الورثة بما غرم من قيمته والحالة الثانية أن يكون الوارث غير عالم بالدين ولم يكن الميت مشهوراً بأنه مدين ، وعند ذلك يسلم المبيع لمشتريه ويرجع الدائنون على الوارث بقدر الثمن سواء كان فيه وفاء بالدين أولاً . ولا رجوع لهم على المشتري إلا إذا حاباه الوارث في البيع ويرجع عليه الدائنون بقدر المحاباة فقط1

ويرى الشافعية أن التركة تنتقل للورثة من وقت وفاة مورثهم حتى ولو كان الدين محيطاً بها وتنتقل محملة بما عليها من الدين ولكن لا يجوز مع ذلك للورثة التصرف في أموال التركة المدينة ولو كان الدين غير مستغرق للتركة . فيتعلق الدين بها كما يتعلق الرهن بالعين المرهونة والرهن عند الشافعية مانع من بيع العين المرهونة وفي مذهب الشافعي رواية أخرى تقضي بأنه لا يصح تصرف الوارث في التركة المدينة ، لأن الدين حق تعلق بالمال من غير رضا المالك ، فلم يمتنع التصرف كمال المريض2-  

ويرى الحنابلة في أشهر الروايتين أن أموال التركة تنتقل إلى ملك الورثة فوراً بموت المورث مع تعلق الدين بها فإن تصرف الورثة في التركة قبل سداد الدين ، صح تصرفهم ولزم أداء الدين فإن أدوه نفـذ التصرف وإن لم يؤدوه فسخ . والرواية الثانية تقضي بأن أموال التركة لا تنقل إلى ملك الورثة إلا بعد سداد الدين فإن تصرف الورثة قبل سداد الدين لم يصح تصرُّفهم لأنهم يكونون قد تصرفوا في غير ملكهم.

يتضح من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة أن اختلافهم انصب على التركة المدينة متى تنتقل لملك الوارث وتباينت آراؤهم في ذلك حتى في داخل المذهب الواحد ، فمنهم من يرى بقاءها على ملك المورث لحين سداد الديون ومنهم مَنْ ذهب إلى انتقالها للوارث محملة بالدين ومنهم من ميز بين التركة المستغرقة للدين وغير المستغرقة ، فرأي بطلان التصرف في مال التركة المستغرقة بالدين وصحة التصرف إن كانت غير مستغرقة بالدين ولم يتطرقوا لتصرف الوارث في التركة الخالية من الديون ومن البديهي أن التركة إذا كانت خالية من الدين تكون خلافة الوارث فيها خلافة ملك تامة ، لأنه حينئذ لا يكون شريكاً فيها وتنتقل إليه بمجرد وفاة المورث ويكون له حق التصرف فيها كما يريد شأن كل مالك فيما يملك وهي خلافه قررها الشارع نفسه دون أن يكون للمورث أو الوارث شأن فيها لقوله تعالى " من بعد وصية يوصى بها أو دين  الخ "(1) (2)

 

الفصل الثاني

 

انتقال التركـة المدينة إلى الورثة وكيفية التصرف فيها في القانون المصري :عنـي القانون المدني المصري بتنظيم القاعدة الفقهية التي تقضي بالا تركه إلا بعد سداد الدين . وهي القاعدة التي اختلفت آراء الفقهاء في تحديدها واستخلاص نتائجها . وقد أورد القانون المصري نظاماً مفصلاً لتصفية التركات المدينة بعد أن قرر إجمالا وجوب اتباع الفقه الإسلامي في الميراث وتعيين الورثة وتحديد أنصبتهم وكيفية انتقال التركة إلى الورثة . وقد انطوى التقنين المصري على ثلاثة مبادئ رئيسية هـي أولاً : وقت انتقال التركة للورثة . ثانياً متى يجوز للورثة التصرف فيها ثالثاً كيفية سداد الديون إذا لم تخضع التركة لنظام التصفية . قرر التقنين المدني المصري أن أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث مع تعلق حقوق الدائنين بها فتنتقل هذه الأموال مثقلة بحق عيني هو أقرب إلى أن يكون حق رهن ولكنه رهن مصدره القانون وليس الاتفاق مع الدائنين . ولابد من شهر هذا الحق ليكون نافذاً في حق الغير ممن يكون قد تصرف فيه من الورثة . وثانياً لما كانت أموال التركة تنتقل للوارث بمجرد موت المورث ، فإنه يجوز للوارث التصرف فيها منذ ذلك الوقت ولكنه تصرف خاضع لحقوق الدائنين . ثالثاً إذا لم تخضع التركة لنظام التصفية ، يكون سداد الديون بموجب إجراءات فردية يتولاها كل دائن لنفسه وفق إجراءات تنفيذية وتحفظية يقررها القانون وذلك عن طريق الحجز على هذه الأموال وهي في يد الورثة . وذلك بتتبعها والحجز عليها في يد الغير وفق نظام الشهر العقاري . وفي حالة عدم لجوء الدائنين لنظام الشهر العقاري فإن من سبق منهم غيره للتنفيذ ظفر به ومن تأخر قد يضيع عليه حقـه كله أو بعضه . ولا يجوز لأي من الدائنين أخذ اختصاص على عقار في التركة (المادة/1085/2 مدني) أما إذا خضعت التركة لنظام التصفية ، فلا يكون سداد الديون إلا بإجراءات يتولاها المصفي نيابة عن التركة ، ومن ثم لا يجوز لأي دائن أن يتخذ إجراءات فردية لاستيفاء حقه.

وعليه فإنه في حالة التركة التي لم تخضع لنظام التصفية لابد للدائنين من شهر ديونهم على التركة خلال سنة من شهر حق الإرث ، فإذا تم الشهر على النحو المقرر في نظام الشهر العقاري استطاع الدائن أن ينفذ لحقه على عقارات التركة ولو كان الورثة قد تصرفوا فيها فيتتبعها في يد من وقع التصرف لهم       ( المادة /914 مدني ) . وعليه إذا مضت السنة ولم يشهر الدائنون ديونهم جاز للورثة التصرف في عقارات التركة ويكون تصرف نافذا في حق الغير.

أما إذا كانت المال التي باعه الوارث قبل سداد الدين منقولاً ، فلا تأثير على الدائن بدينه في هذا البيع وينظر في هذه الحالة إلى المشتري ، فإن كان سيئ النية ، أي يعلم أن المنقول الذي اشتراه هو من أموال التركة التي لم تسدد ديونها ، جاز للدائن أن يتبع هذا المنقول في يد المشتري ويستوفي حقه منه أما إن كان المشتري حسن النية يملك المنقول بالحيازة ولا يستطيع الدائن تتبعه في يده وليس له إلا الرجوع بحقه على بقية أموال التركة التي لا تزال في يد الوارث إذا كان حسن النية أو يرجع عليه بالتعويض إذا كان سيئ النية(1)  

 

الفصل الثالث

 

انتقال التركة المدينة للورثة في القانون الأردني وكيفية التصرف فيها: القانون الأردني يتفق مع القانون المصري في أن أموال التركة تنتقل للورثة بمجـرد وفاة المورث فقد نصت المادة (1086) مـن القانون الأردني على الآتي : " يكسب الوارث بطريق الميراث العقارات والمنقولات والحقوق الموجودة في التركة " فالوارث يمتلك إذن أموال التركة بمجرد الوفاة . ولا يشترط لثبوت هذه الملكية للوارث استصدار سند تسجيل الملكية بل يكفي إثبات ملكية الوارث أو شراكته في الأرض وأن المدعى أحد الورثة . إلا أن هذه الأموال تنتقل محملة بديون المورث سواء كانت التركة مستغرقة بالدين أو غير مستغرقة ، حيث يكون للدائنين عليها حق أشبه بحق الرهن ولكنه رهن مفروض من قبل الشارع . والقانون الأردني بالنسبة للعقارات يعمل بنظام أحكام السجل العقاري . وبموجب أحكام هذا السجل لا يجوز شهر أي تصرف يصدر من الوارث في حق عيني على عقار من عقارات التركة إلا إذا تم تسجيل حق الإرث ويترتب على ذلك أنه ما لم يتم تسجيل حق الإرث ، فلا حظر على دائني المورث من تصرفات الوارث لأن المتصرف إليه في هذه الحالة لن يكون إلا مجرد دائن عادي للوارث لا يقوى على مزاحمة دائني التركة في اقتضاء حقوقهم من أموالها ، أما إذا تم تسجيل حق الإرث ، فإن المتصرف إليه من الوارث يستطيع أن يسجل التصرف فإن فعل ثارت مشكلة المفاضلة بين حقوق دائني المورث وحق التصرف إليه وعلى ضوء ذلك يتعين المفاضلة بين التركات المدينه التي لم تخضع لنظام التصفية وتلك التي خضعت لها . ففي حالة تصرف الوارث في التركة المدينه التي لم تخضع لنظام التصفية فإن هذا التصرف لا يكون نافذاً بحق دائني التركة إذا جاء لاحقاً لقيام هؤلاء بتسجيل حجز على أموال التركة المادة (1123) . وفي حالة تصرف الوارث في التركة المدينة التي خضعت لنظام التصفية نصت المادة (1090) على أنه (1) على المحكمة أن تقيد في سجل خاص الأوامر الصادرة بتعين أوصياء التركة أو تثبيتهم إذا عينهم المورث أو يعزلهم أو تنازلهم . (2) يكون لهذا التعين أثره بالنسبة لمن يتعامل من الغير مع الورثة بشأن عقارات التركة " وعليه إذا قيد القرار الصادر بتعين المصفي ، صارت حقوق الدائنين نافذة في مواجهة كل من يتلقى من الوارث حقاً عينياً على عقار من عقارات التركة . أما إذا كان قيد القرار بعد تسجيل التصرفات فلا يكون له أي أثر.

استحدث واضع القانون الأردني نظاماً مفصلاً لتصفية التركات تصفية جماعية ( المواد من 1078 إلى 1124 ) يكون فيها المصفي نائباً عن الورثة وعن الموصى لهم وعن الدائنين جميعاً وبمقتضاها يقوم  بجرد أموالها وحصر ديونها ثم يقوم بسداد الديون وتنفيذ الوصايا وتسليم ما بقي من أموال التركة للورثة بحسب أنصبتهم في الإرث . ويترتب على التصفية رفع يد الدائنين والورثة عن أموال التركة خلال فترة التصفية ويترتب عليه منع الدائنين من اللجوء للمقاضاة الفردية لاستيفاء ديونهم ومن ذلك يظهر أن تصفية التركة هي إجراء جماعي يراد منه تحقيق المساواة الفعلية بين الدائنين في استيفاء حقوقهم كما هو الحال في الإفلاس . وقد جعل المشرع نظام التصفية الجماعية اختيارياً يخضع لتقدير القاضي نسبة لإجراءات الطويلة والتي تتطلب نفقات باهظة فهي لا تصلح إلا في التركات الكبيرة إذا كثرت ديونها والحقوق التي عليها(1)

في حالة خضوع التركة لنظام التصفية وبعد قرار المحكمة يتعين وصي على التركة يعتبر الوصي نائباً عن التركة ويمتنع اتخاذ أي إجراء فردي في مواجهتها . وفقاً لنص المادة / 1095 من القانون الأردني التي تنص على الآتي : لا يجوز للوارث قبل أن يتسلم حجة بيان نصيبه في صافي التركة أن يتصرف في مال التركة ولا يجوز له أن تستأدى مال للتركة من ديون أو يجعل ديناً عليه قصاصاً بدين عليها . " (2)

 

الفصل الرابع

انتقال التركة المدينة للورثة في كيفية التصرف فيها في القانون السوداني وردت أحكام التركات والمواريث في ثلاثة قوانين حسب التدرج التاريخي هي الجدول الثالث الملحق بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م الباب التاسع الفصل الرابع عشر ثم قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م الكتاب الخامس وهذه القوانين الثلاثة مكملة لبعضها البعض ، فالجدول الثالث يتعلق بإجراءات السير في التركة وحصر أموال التركة وحفظها والتحري الإداري عن الورثة وإقامة الأوصياء والقوام على القصر وفاقدي الأهلية والتحري عن الديون التي للمورث أو عليه وإجراءات سير المحكمة في التركة لحين تصفيتها وإصدار الإعلام الشرعي . أما قانون المعاملات المدنية فيتعلق بإقامة الأوصياء عليها وكيفية إدارتها عن طريق الوصي الذي ينوب عن التركة في الدعاوى التي لها على الغير والتي عليها للغير ويقوم الوصي بسداد ما عليها من ديون ولا يجوز في حالة إقامة الوصي للدائنين أو الورثة المطالبة بشيء منها والتصرف لحين تصفيتها وإصدار الإعلام الشرعي بأيلولة ما تبقى من التركة للورثة بعد سداد الديون والوصايا . أما قانون الأحوال الشخصية هو القانون الموضوعي الذي يتعلق بتعريف التركة والحقوق المتعلقة بها وكيفية انتقالها للورثة شرعاً.

وعليه نبدأ بما ورد في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م لأنه القانون الموضوعي الذي عرف التركة والحقوق المتعلقة بها وكيفية انتقالها  للورثة . وقبل الخوض في إيراد مواد هذا القانون يجدر بنا أن نتعرض لنبذة تاريخية مختصرة لما كان عليه العمل في المحاكم الشرعية قبل صدور هذا القانون.   

بعد سقوط الدولة المهدية على يد الجيش الإنجليزي المصري لسنة 1899م ألغت السلطة المستعمرة أحكام الشريعة الإسلامية التي كانت تطبق على كل القضايا من جنائية ومدنية وأحوال شخصية في عهد الدولة المهدية وأدخلت القانون الهندي الذي استقى أحكامه من القانون الإنجليزي وطبقته في القضايا المدنية والجنائية ولكنها أبقت على أحكام الشريعة الإسلامية لتطبق على قضايا الأحوال الشخصية وجلبت لتطبيقها قضاة مصريين وذلك وفقاً للراجح من المذهب الحنفي وما يصدره قاضي القضاة من منشورات ونشرات وتعليمات بالمخالفة للراجح من المذهب الحنفي عند الحاجة والضرورة التي تقتضيها المصلحة واستمر العمل على ذلك رغم المناداة المبكرة بإصدار قانون الأحوال الشخصية بعد أن آل أمر القضاء لقضاة سودانيين بعد استغلال السودان لسنة 1956م وصار من الصعوبة على القضاة معرفة الراجح من المذهب الحنفي وأخيراً أصدر قانون الأحوال الشخصية 1991م الحالي وفي ضوئه سهل على القضاة تطبيق القانون وفق نصوصه.

عرفت المادة (344) مـن قانون الأحوال الشخصية للمسلمين التركة بالآتي:  " التركة هي ما يتركه المتوفى من أموال ومنافع حقوق مالية " ونصت المادة (345) على ما يلي : " تتعلق بالتركة حقوق مقدم بعضها على بعض حسب الترتيب الآتي : (أ) نفقات تجهيز المتوفى بالمعروف (ب) قضاء ديون المتوفى (ج) الوصية (د) إعطاء الباقي من التركة للورثه ".

ونصت المادة (346) على الآتي " الإرث انتقال حتمي لأموال ومنافع حقوق مالية . بوفاة مالكها لمن استحقها ".

من هذا النص يتضح أن التركة هي الأموال والحقوق المالية والمنافع التي يتركها المتوفى بعد وفاته وأنها تتعلق بها حقوق مقدمة في السداد على حقوق الورثة وهي تجهيز المتوفى وسداد ديونه ووصاياه ولا يستحق الورثة التركة إلا بعد سداد تلك الحقوق ومن ذلك نجد أن القانون السوداني أخذ بالمذهب الفقهي الذي يقرر أنه لا تركه إلا بعد سداد الديون وهو ما ذهب إليه الأحناف والمالكية في الراجح من أقوالهم كما ذكر سابقاً . أما إذا حُلت التركة من ديون ووصايا وحقوق أخرى فإنها تنتقل للورثه بمجرد موت المورث وهذا متفق عليه بين الفقهاء وهو ما أخذ قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م.

قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م نص في المادة (655) منه على الآتي:

1- يكسب الوارث بطريق الميراث العقارات والمنقولات والحقوق الموجودة في التركة مع مراعاة أي قيود في هذا القانون على التسجيل أو غيره أو أي قيود يفرضها أي قانون آخر .

2- تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الإرث وانتقال التركة يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للمسلمين ومن يرضون انطباق أحكامها. 

3- فيما عدا الأشخاص المنصوص عليهم في البند (2) يطبق قانون الوصايا وإدارة التركات لسنة 1928م أو أي قانون يحل محله ".

 

وعليه يتضح أن قانون المعاملات لم يورد نصوصاً تتعلق بأحكام المواريث من حيث تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الإرث وكيفية انتقال التركة للورثة ولكنه أحال كل ذلك لأحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للمسلمين ومن يرتضي أحكام الشريعة الإسلامية من غير المسلمين . وبالنسبة لغير المسلمين أحال الاختصاص في هذا الشأن لقانون الوصايا وإدارة التركات لسنة 1928م أو أي قانون آخر يحل محله وقانون الوصايا وإدارة التركات لسنة 1928م مازال ساري المفعول وعلى قضايا الأحوال الشخصية لغير المسلمين. ومن ذلك يتضح أنه قانون تنظيمي لاختصاص المحاكم في هذا الشأن . أما بقية مواده من المادة (656) وحتى المادة (681) فهي تتعلق بإجراءات تعين الوصي على التركة إذا عين المورث وصياً على تركته أو في حالة طلب الورثة تعيين وصي على التركة ، فعلى المحكمة في حالة تعيين المورث وصياً على التركة وجب على المحكمة تثبيت هذا الوصي وعليها تعيين وصي للتركة إذا طلب ذلك الورثة وحددت هذه المواد مهام وصي التركة من حيث المحافظة على أموال التركة وحصر الديون التي على التركة ووفاء الديون وتصفيتها وأيلولة ما تبقى من أموالها للورثة كل بحسب نصيبه الشرعي أو القانوني . وقد نصت المادة (663) على أنه لا يجوز للدائنين من وقت تعيين وصي التركة أن يتخذوا أي إجراء على التركة ولا الاستمرار في إجراء اتخذوه إلا في مواجهة وصي التركة . ونصت المادة (664) من القانون نفسه على الآتي : " لا يجوز للوارث قبل أن يتسلم حجة بيان نصيبه في صافي التركة أن يتصرف في مال التركة ولا يجوز له أن يستأدي ما للتركة من ديون أو أن يجعل ديناً عليه قصاص بدين عليها " هذه هي المادة التي أثارت جدلاً وخلافاً بين القضاة تنتج عنه تعارض بين السوابق القضائية وبين القضاة في الدرجات الأدنى . وذلك ما دفعني لكتابة هذا البحث كما ذكرت سابقاً.

هذه المادة وردت ضمن المواد الخاصة بتعين الوصي على التركة في حالة ما إذا عين المورث وصياً على تركته أو في حالة طلب الورثة إقامة وصي على التركة للقيام بإجراءات حصرها والقيام بتسلمه أموالها وتصفيتها برقابة المحكمة والقيام بتجهيز الميت ونفقات مأتمه وسداد ما عليه من ديون والمطالبة بماله من ديون وتنفيذ وصاياه وكل ما يتعلق بالتركة من الالتزامات . وفي حالة تعيين الوصي على التركة ومباشرة مهامه لا يجوز للدائن مطالبة الورثة بديونهم عليها وإنما يكون ذلك في مواجهة وصي التركة ، كما لا يجوز للورثة التصرف في مال التركة بأي تصرف ناقل للملكية إلى أن يصفى الوصي التركة وتسليم كل وارث نصيبه من صافي التركة وأي تصرف للوارث في مال التركة بعد تعيين الوصي من قبل المحكمة يكون باطلاً . أما إذا لم يعين وصي للتركة وفقاً لما ذكر سابقاً ، فإنه يجوز – للدائن والموصى لهم أن ينفذوا بحقوقهم على التركة مباشرة وللورثة التصرف في التركة ولا يعتبر التصرف في هذه الحالة ممنوعاً وقد نصت على ذلك المادة (680) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م التي تقرأ " إذ لم تكن التركة قد صفيت وفقاً للأحكام السابقة جاز لدائني التركة العاديين أن ينفذوا بحقوقهم أو بما أوصى به لهم على عقارات التركة التي حصل التصرف فيها أو التي رتبت حقوقاً عينية لصالح الغير إذا وقعوا عليها حجزاً لقاء ديونهم قبل تسجيل التصرفات " .

        ونص المادة (664) يقابل ويطابق نص المادة (1095) من القانون الأردني وقد جاء في المذكرة التفسيرية للقانون الأدنى في تفسير هذه المادة ما يلي : " في حالة خضوع التركة لنظام التصفية وبعد قرار المحكمة يتعين وصي على التركة ، يعتبر الوصي نائباً عن التركة ويمتنع اتخاذ أي إجراء فردي في مواجهتها ".

يقول مولانا/ تاج السر محمد حامد قاضي المحكمة العليا في كتابة أحكام الملكية في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م في تعليقه على نص المادة   (664) ، يقول ما يلي : " وعلى الرغم من ورود النص بشأن التصفية وتعيين المصفي فقد قضت المحاكم السودانية في العديد من الدعاوى ببطلان التصرف في غير الحالة التي عناها المشرع(1)

لم يرد في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م نص يفيد بصحة أو بطلان تصرف الوارث في نصيبه في التركة قبل حصرها وتصفيتها ولكنه أورد في المواد من (408) إلى (411) أحكام التخارج بين الورثة أو لأجنبي . وقد عرفت المادة 408(1) التخارج بأنه اتفاق الورثة على ترك بعضهم نصيبه من التركة بمقابل معلوم " ونصت الفقرة الثانية فيها على أنه : إذا تخارج أحد الورثة لآخر فيستحق المتخارج له نصيب المتخارج ، ويحل محله في التركة . ونصت المادة (409) على أنه يصح التخارج ولو لم تعلم أعيان التركة ومقدارها . ونصت المادة (410) على أنه لا يتم التخارج إلا بعد الوفاة وانحصار الإرث . ونصت المادة (411) على أنه : تختص دوائر الأحوال الشخصية بالنظر في دعاوى التخارج أثناء تصفية التركة ، والفصل فيها ، سواء كان التخارج لوارث أو لأجنبي بمقابل أو بدون مقابل.

يتضح من هذه المواد أن للورثة حق التصرف في نصيبهم في التركة بعد وفاة مورثهم بالتنازل بمقابل أو بدون مقابل لبعضهم البعض أو لأجنبي بل أجازت هذا التصرف حتى ولو لم تعلم أعيان التركة ومقدارها ولم تقيد هذا التصرف بأن يتم هذا التخارج بعد رفع الأمر للقضاء بل يمكن أن يتم هذا التخارج من الورثة قبل عرضه على المحكمة المختصة ولكن لابد لنفاذه أن يعرض على المحكمة لأجازه بعد ثبوت الوفاة وانحصار الإرث وقد نصت على ذلك المادة (410) بقولها لا يتم التخارج إلا بعد ثبوت الوفاة وانحصار الإرث . ولم تذكر أن هذا التخارج لا يجوز أو يكون باطلاً بل لأبد لتمامه عرضه أمام المحكمة بعد أن تثبت الوفاة وإنحصار الإرث . وجعلت المادة (411) لدوائر الأحوال الشخصية الاختصاص بالنظر في دعاوى التخارج أثناء تصفية التركة إذا تم تخارج بين الورثة بعضهم لبعض أو لأجنبي قبل عرض الأمر على المحكمة . ويؤيد ذلك ما جاء بقرار النقض رقم 191/2001م الصادر بتاريخ 12/8/2001م والذي أرسى المبدأ الآتي : " التصرف في التركة يمكن أن يتم بعد وفاة المورث وتحقق الإرث بالفعل ويكون تصرفاً – صحيحاً ولكن لا يعتبر نافذا إلا بعد أن تفحصه المحكمة وتصدر به قراراً . وعلى المحكمة أن تفصل في كل تصرف حصل بعد الوفاة سواء كان التصرف لأحد الورثة أو لأجنبي أو من المورث حال حياته . ثم تفصل في النزاع وفقـاً للقانون واللوائح المعمول بها . " ونصت المادة (222) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م على أنه " يجوز للوارث بيع نصيبه في التركة بعد وفاة المورث لوارث آخر أو أكثر بعوض معلوم ولو لم تكن موجودات التركة معينة ويسمى هذا مخارجه وهي متفقة مع ما أوردناه من نصوص التخارج في قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م

 

الفصل الخامس

 

اختلاف السوابق القضائية في تفسير نص المادة (644)

من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م 

أخذ كثير من السوابق القضائية بعموم نص المادة (664) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م الذي يمنع تصرف الوارث في نصيبه في التركة قبل معرفة حجة بيان نصيبه في صافي التركة واعتبرت هذا التصرف باطلاً سواء كانت التركة مدينة أو خالية من الديون ولم تفطن إلى أن هذا النص مقيد بحالة إقامة المحكمة وصياً على تركة المتوفى بطلب من الورثة أو بأجازه وتثبيت وصي المتوفى في حالة تعينه وصياً لتركته وفقاً لما توصلنا إليه سابقاً وقد ترتب على التفسير الخاطئ لهذا النص على عمومه كثير من الظلم على من تعامل مع الورثة بالبيع أو الهبة في نصيبهم في التركة قبل بيان حجة نصيبهم في صافي التركة . وذلك لأن هذه التصرفات تتم قبل حصر وتصفية التركة بزمن بعيد يتقاعس فيه الورثة عن حصر تركة مورثهم ، ويضطر بعضهم لبيع نصيبه لأحد الورثة أو لأجنبي أو هبته له . ويتسلم الوارث ثمن النصيب المباع ويتصرف المشتري في البيع . فإذا اعتبر هذا التصرف باطلاً يعاد الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التصرف وذلك بإعادة الثمن للمشتري وإعادة النصيب المباع للتركة وفقاً لنص المادة (93) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وفي هذه الحالة يقع الظلم على المشتري لأن الثمن السابق للنصيب المباع لا يكاد يساوي شيئاً في مقابل الثمن الحالي للنصيب المتصرف فيه نتيجة للتضخم انخفاض أسعار العملة . وقد استشعر كثير من السوابق الظلم في تطبيق هذه المادة على عمومها لذلك لجأت لتفسير هذه المادة بما خالف نصها العام وذلك تحقيقاً للعدالة وبذلك جاء الاختلاف والتباين فيما صدر منها من قرارات ففي السابقة القضائية رقم ط م/358/1991م جاء تفسيرها لنص هذه المادة ما يلي : وفقاً للمادة (664) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م فإنه لا يجوز للوارث أن يتصرف في مال التركة قبل أن يتسلم حجة بيان نصيبه في التركة . رغم ذلك النص لم تنص المادة على بطلان التصرف لذلك فإن أي عقد بيع لنصيب الوارث في التركة قبل استلام حجة بيان نصيبه لا يعتبر عقداً باطلاً وإنما يكون غير قابل للنفاذ ولا تنتقل به ملكية العين للمطعون ضده " .

اعتبرت هذه السابقة العقد غير باطل ولكنه غير قابل للنفاذ ومع ذلك لم ترتب عليه أثراً ومعلوم أن العقد إذا كان صحيحاً يتعين أن يترتب عليه أثره وهو نقل الملكية : والعقد غير القابل للنفاذ هو العقد الموقوف النفاذ الذي نصت عليه المادة (87) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ونصت المادة (88) على أن نفاذه يتوقف على أجازة المالك ، والمالك في هذه الحالة هو الوارث وكان الواجب عرضه على الوارث أمام المحكمة المختصة لأجازته.

وفي الطعن المدني رقم 391/2002م توصلت المحكمة العليا إلى أن نصيب الوارث لا يدخل في ذمته إلا بعد حصر التركة وتحديد نصيب الوارث تحديداً نافياً للجهالة . ولذلك يكون العقد الصادر من الوارث عقداً موقوف النفاذ ولا يكون صحيحاً وإنما قابل للإجازة فلا يصح إلا بعد إجازته وذلك وفقاً لنص المادة (664) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م.

وفي السابقة رقم 31/2002م قررت المحكمة العليا أن التصرف في الحصص بوساطة الورثة لا يقع باطلاً قبل أن يعرض على المحاكم وإذا عرض على المحكمة فإنه لا يجوز أن يتم التصرف في هذه الحالة ما لم تقرر المحكمة في التركة وذلك وفقاً لنص المادة (664) من قانون المعاملات المدنية لسنة   1984م.   

ولا أرى أن هنالك مبرراً للتفريق بين التصرفات الصادرة من الورثة قبل عرض التصرف على المحكمة وبين تلك التي تم التصرف فيها بعد عرض الأمر على المحكمة المختصة لأنه في كلا الحالتين لابد من عرض التصرف على المحكمة المختصة للبت فيه ما لم يكن هنالك وصي على التركة تم تعيينه بوساطة المحكمة وفقاً لنص المادة (656) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م.

وفي قرار المراجعة رقم 16/2003م الصادر من المحكمة العليا بتاريخ 25/5/2004م ادعى مقدمـو طلب المراجعة أن مورثهم هو المالك المسجل على الشيوع للقطعة موضوع النزاع . وقد باع شريكهم نصيبه للمقدم ضده الطلب وطالبوا بحقهم في الشفعة دفع المقدم ضده الطلب بأن القطعة موضوع النزاع مازالت مسجلة باسم مورث مقدمي الطلب ولم تسجل بأسمائهم حتى الآن ووفقاً لقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م فإن الشخص الذي يحق له الأخذ بالشفعة هو المالك المسجل للعقار . قررت المحكمة الابتدائية بموجب هذا الدفع رفض دعوى الشفعة وأيدتها في ذلك محكمة الاستئناف والمحكمة العليا . قررت المحكمة العليا في مرحلة المراجعة إلغاء أحكام المحاكم الأدنى وقررت إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتمكين مقدمي الطلب من سماع دعواهم الشفعة . وجاء بأسباب المراجعة بعد استعراض رأي الفقهاء في وقت انتقال التركة للورثة بعد وفاة مورثهم ، جاء بأسبابها بأن التركة إذا كانت خالية من الديون والالتزامات الأخرى تنتقل للورثة بمجرد وفاة المورث وذلك بإجماع الفقهاء وعلى ضوء ذلك قررت انتقال التركة لمقدم الطلب لموت مورثهم وقررت حقهم في الأخذ بالشفعة.

وهو قرار سليم أوردنا ما يؤيده في هذا البحث عند استعراضنا لآراء الفقهاء فيما يتعلق بوقت انتقال التركة للورثة بعد وفاة مورثهم . ولا يتعارض مع نص المادة (664) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ومع ما توصلنا إليه من أن هذه المادة يكون مجال تطبيقها في حالة إقامة الوصي على التركة(1)       

 

خلاصة لأهم نتائج البحث

بعد أن فرغنا بعون الله وتوفيقه من هذا البحث نود أن نوجز خلاصة لأهم ما ورد فيه من نتائج كما يلي:

1- تعرضت لبحث تعريف التركة ووقت انتقالها للورثة في فقه المذاهب الأربعة واتضح لي أن هنالك رأيين في هذه المسألة : الرأي الأول يرى أن تبقى التركة على ملك الوارث لحين سداد الديون سواء كانت التركة مستغرقة بالدين أم لم تكن مستغرقة ، أي أنه لا تركة قبل سداد الدين وهو رأي جمهور فقهاء الأحناف والمالكية . والرأي الثاني يرى أن التركة تنتقل للورثة بمجرد وفاة المورث محملـة بما عليها من ديون . وهو رأي جمهور الشافعية والحنابلة . وعلى الرأي الأول فإن تصرف الوارث في نصيبه قبل سداد الدين لا يصح وعلى الرأي الثاني فإن التصرف صحيح ولكن يظل نصيب الوارث محملاً بالدين كتحمل الرهن بالعين المرهونة.

أما إذا كانت التركة غير مدينه فإنها تنتقل للورثة بمجرد الوفاة لأنها صارت حقاً خالصاً للورثة وبذلك يصح تصرف الوارث بمجرد الوفاة وذلك بإجماع الفقهاء.

2- أخذ التقنين المصري برأي جمهور الشافعية والحنابلة وهو أن أموال التركة تنتقل للورثة بمجرد موت المورث مع تعلق حق الدائنين بأعيانها وبالتالي يجوز تصرف الوارث بمجرد الوفاة وللدائنين الحق في الرجوع للورثة للمطالبة بحقوقهم ولكن لابد للدائنين من شهر ديونهم على التركة خلال سنة من تاريخ شهر الإرث على النحو المقرر في الشهر العقاري . أما إذا أخضعت التركة لنظام التصفية ، فلا يكون سداد الديون إلا بإجراءات يتولاها المصفي نيابة عن التركة وبالتالي لا يجوز لأي دائن اتخاذ إجراءات فردية لاستيفاء حقه.

3- القانون الأردني حذا حذو القانون المصري في أن التركة تنتقل للورثة بمجرد وفاة المورث محملة بالديون ولكنه انتهج نهج نظام التسجيل العقاري في تسجيل حق الإرث . فإذا تم تسجيل حق الإرث لا يجوز للوارث التصرف في عين من أعيان التركة . أما إذا لم يتم تسجيل حق الإرث فلا حظر على دائني الوارث في سداد ما تصرف فيه حيالهم . وقد استحدث القانون الأردني نظاماً مفصلاً لتصفية التركة تصفية جماعية يترتب عليه رفع يد الدائنين من اللجوء للمقاضاة الفردية لسداد ديونهم.

4- قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م أخذ بالرأي القائل بأن التركة تنتقل للورثة بعد سداد الديون والوصايا ولكنه أجاز تصرف الورثة بالتخارج عن أنصبتهم ولو لم تعلم أعيان التركة ولكن لابد من عرض هذا التصرف على محكمة الأحوال الشخصية لأجازته وفقاً للأصول الشرعية.

5- قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م أورد نص المادة (664) موضوع هذا البحث وخصها بحالة إقامة المحكمة وصياً على التركة بطلب الورثة ليكون مسئولاً عن حصرها وتصفيتها بسداد ديونها ووصاياها وعرضها على المحكمة المختصة لإصدار الإعلام الشرعي بالوفاة وانحصار الإرث وتقسيم الأنصبة على الورثة حسب الفريضة الشرعية . وفي حالة تعيين الوصي على التركة لا يجوز للوارث التصرف في نصيبه قبل تصفية التركة ومعرفة حجـة بيان نصيبه فيها . أما إذا لم يتم تعين الوصي فإن هذا النص لا يعمل به ويكون تصرف الوارث في هذه الحالة جائزاً ويعرض على المحكمة المختصة   (محكمة الأحوال الشخصية) لإجازته بعد التأكد من عدم مخالفته للأصول الشرعية.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.     

 

المحرر:

هناك سوابق لم تنشر صادرة من المحكمة العليا منها من قال أن تصرف الوارث قبل استلام حجة نصيبه فـي التركة باطلاً ومنها من قال بجواز التصرف ، لأن النص لا يشير إلى البطلان في ظاهره.

 

 



[1] معوض 148 149 -159

[2] معوض 161 أنظر ملحق المنشور (35) رقم (1).

[3] أحكام الأحوال الشخصية للشيخ حسن خالد وعدناني نجاحي(70)

[4] أقرب المسالك ج(2) من 235 وما بعدها

[5] معوض: 129 130 131 - 132

[6] أقرب المسالك ج(2) ص 235 ومابعدها.

[7] معوض: 129 130 131 132.

[8] معوض : 129 130 131 132.

[9] الضرير 28 29 32.

-        ماجستير – الشريعة الإسلامية – جامعة الخرطوم 

-        رئيس قسم التأصيل بالمكتب الفني والبحث العلمي

 

[10] حاشية ابن عابدين ج 5 ص 663(2) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ص422-423 الميراث في الشريعة الإسلامية – للبروفسير الصديق محمد الأمين الضرير .

(1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ج4 ص 41

[11] حاشية البحيري على شرح منهج الطلاب ج 222(4) كشاف القناع ج2 ص 540

1مصادر الحق للسنهوري ج 5 ص 81 نقلاً عن المدوية الكبرى ج 13 ص 57-59

2- المهذب للشيرازي ج2 ص32  .

(1)     أنظر في ذلك كتاب التركة والميراث في الإسلام للدكتور محمد يوسف موسى صفحة 73-74.

(2)      الآية 12 – سورة النساء

 

(1) الوسيط للسنهوري ج 4 ص 350 - 450

(1) شرح القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية . تأليف الأستاذ/ محمد وحيد سوار الصفحات من 34 إلى 90م

(2) القانون المدني الأردني 1976 – المذكرة الإيضاحية للقانون الأردني الجزء الثاني ص 675 - 685

(1) أحكام الملكية والحقوق العينية الأصلية الأخرى : لمولانا تاج السر محمد حامد قاضي المحكمة العليا صفحة 193

(1) كل هذه السوابق التي تم استعراضها لم تنشر بمجلة الأحكام القضائية لأنها صدرت حديثاً .