الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
حكومة السودان ضد السر محمد السنوسي
[رجوع]
نمرة القضية:م ع/ ق. ج / 55/ 87
المحكمة:/
العدد:1989

المبادئ:
  • عقوبات – جريمة الاغتصاب – نصاب إثباتها بشهادة الشهود وهو نفس النصاب المقرر لإثبات جريمة الزنا.
  • _أن نصاب شهادة الشهود لاثبات جريمة الاغتصاب "م 317ع" هو نفس النصاب المقرر لإثبات جريمة الزنا "م316/أ ع" وهو لا يقل عن أربعة شهود عيان عدول من الرجال.

    الحكم:

    المحكمة العليا

     

    القضاة :

    السيد/ عبد المنعم الزين النحاس       نائب رئيس القضاة         رئيساً

    السيد/ على يوسف الولى              قاضى المحكمة العليا        عضواً

    السيد/ صالح الشريف                 قاضى المحكمة العليا        عضواً

    حكومة السودان ضد    السر محمد السنوسي

        م ع/ ق. ج / 55/ 87

    الحكـــم

    القاضى: على يوسف الولي

    التاريخ: 6/10/1988م

    هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة عن طريق الفحص المدان السر محمد السنوسي طاعناً في حكم محكمة استئناف الإقليم الشمالي الدامر الذي جاء بعقوبة الجلد مائة جلدة بالإضافة لتأييد عقوبة السجن لمدة عشرة سنوات التي أنزلتها عليه محكمة جنايات كريمة.

    نوجز الوقائع في أن المواطن عبد الحفيظ عبد الله محمد لدى شرطة كريمة بلغ بتاريخ 2/12/1986م يفيد بأنه في ذلك التاريخ في حوالى الساعة 12 ظهراً بجوار دار الرياضة وجد الطفلة هاجر عثمان ساقطة على الأرض وعليها آثار اتصال جنسي مما يدل على أن شخصاً مجهولاً قام باغتصابها وجار القرار الطبي على المجنى عليها بوجود خدوش حول الفم مع ردوخ بالفخذين وأن البكارة ممزقة ويوجد قطع بجوار المهبل الخلفي نتيجة لوجود دم في منطقة العانة والأعضاء التناسلية والفخذين وأن ما حدث نتيجة قطع بآلة حادة واتصال جنسي وأن المجنى عليها مختونة وأن حالتها العامة غير خطيرة وحجزت بالمستشفى لإجراء عملية جراحية تحت البنج العمومي وقد تبين أن المجنى عليها المذكورة قاصرة وغير بالغ لأنها من مواليد 15/11/1979م بموجب شهادة ميلادها وذلك يعنى أن عمرها كان في تاريخ الحادث أعلاه هو ستة سنوات وشهرين و17 يوماً على وجه التقريب وقد ثبت أن الطفلة المجنى عليها المذكورة كانت في يوم الحادث تلعب أمام باب منزلها في الشارع مع الأطفال شاهيناز محى الدين محمد نور وعمرها حوالى ستة سنوات وبشير الدسيس محمد منصور وعمره حوالى سبعة سنوات وأخويها أحمد وهادية الصغيرين عندما جاء المتهم السر محمد السنوسي واستدرجها من بين أولئك الأطفال ليشترى لها حلوى وبعد أن ذهبت معه إلى ذلك الموضع النائي عن أعين الناس قام باغتصابها على الوجه الموصوف في التقرير الطبي أعلاه. ليس هنالك شهود عيان في هذه القضية ورغم ذلك أدانت محكمة الجنايات المتهم المذكور  بالجريمتين 307 و 317 من قانون العقوبات لسنة 1983م واستبعدت عقوبة الجريمة تحت المادة 307 لأنها شاءت أن توقع عقوبة الجريمة 317 الأشد وبما أنه لم تتوفر لديها البينة الشرعية لتوقيع عقوبة حدية فقد اختارت أن توقع على المتهم عقوبة تعزيزية وهي عشرة سنوات سجناً اعتباراً من تاريخ دخوله بالحراسة في 2/2/1986م أما محكمة الاستئناف أيدت الإدانة تحت المادة 317 وقالت:

    "أسست المحكمة الإدانة على بينات مباشرة وظرفية ربطت المدان بالجريمة وقد تمثلت هذه البينات في أقوال المجنى عليها المؤيدة بأقوال بعض الشهود الآخرين الذين تعرفوا إلى المدان. بالإضافة إلى وجود آثار دماء من نفس فصيلة دم المجنى عليها في ملابسه ووجوده في مسرح الحادث لحظة ارتكابه. لهذا فإننى اعتقد أن الإدانة صحيحة.

    بالنسبة للعقوبة فقد فرق قانون العقوبات سنة 1983م بين جريمة الزنا المنصوص عليها في المادة 316 وجريمة الاغتصاب (مادة 317) ويبدو أن الشرع قد قصد أن تكون هذه الأخيرة جريمة متميزة لا تخضع لوسائل الإثبات عليها في المادة السابقة فإذا كانت المحكمة قد توصلت إلى الإدانة من البينة التي توفرت لها فإن العقوبة كان بنبغى عليها توقيعها هي المنصوص عليها في المادة 318 عقوبات وبما أنني لم أجد بالمحضر ما يشير إلى أن المدان محصن أو غير محصن فإننى أرى أن نعيد الإجراءات لمحكمة أول درجة لتوقيع العقوبة المنصوص عليها حسب حال المدان..".

                                                     الأسباب

    أرى أن المتهم السـر محمد السنوسي مدان بالجريمة تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م وليس مداناً بجريمة الاغتصاب (جريمة الزنا بغير البالغ) المعرفة في المادتين 317 و 316 والمعاقب عليها تحت المادة 318 من ذات القانون وذلك لعدم توافر البينة الشرعية لإثباتها فالمتهم لاذ بالإنكار الشديد ولم يقر إقراراً صحيحاً صريحاً غير مرجوع فيه كما أن ليس هناك شهادة شهود مكتملة النصاب الشرعي ولإثبات تلك الجريمة الحدية بالبينة العادية. فالمادة 317 من ذات القانون تعرف جريمة الاغتصاب أي جريمة الزنا بغير البالغ كالآتي:

    " كل من يواقع شخصاً غير بالغ بالكيفية المنصوص عنها في المادة 316 يعتبر قد ارتكب جريمة الاغتصاب ويعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 318 " والمادة 316 (1) من نفس القانون  تعرف جريمة الزنا بالآتي :

    " كل من أدخل ذكره أو حشفته أو ما يعادلها من مقطوعها في فرج شخص مطيق أو دبره دون رباط شرعى أو يسمح لآخر بادخال ذكره أو حشفته أو ما يعادلها عن مقطوعها في فرجه أو دبره دون رباط شرعي يعتبر قد ارتكب جريمة الزنا".

    والمادة 318 من ذات القانون تنص على عقوبة الزنا والاغتصاب. فالبند الأول ينص على الآتي: "من يرتكب جريمة الزنا يعاقب بالإعدام إذا كان محصناً وبالجلد مائة جلدة إذا كان بكراً".

    والبند الثاني ينص على الآتي "يعاقب البكر الذكر بالسجن والتغريب لمدة عام بالإضافة إلى عقوبة الجلد".

    على أنه لا يعاقب بالعقوبة في البند (1) والبند (2) من هذه المادة أي شخص يكون دينه السماوي قد شرع أي عقوبة أخري للزنا وفي هذه الحالة يعاقب الجاني بالعقوبة الأخرى أو في حالة عدم وجودها بالجلد بما لا يجاوز ثمانين جلده وبالغرامة أو السجن لمدة لا تقل عن سنة".

    ومعلوم أن النصاب الشرعي لشهادة الشهود لإثبات جريمة الزنا والاغتصاب هو كما جاء به قانون العقوبات وقانون الإثبات سنة 1983م وكما أوردته الشريعة الإسلامية السمحاء لا يقل بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف عن أربعة شهود عيان وعدول من الرجال يشهدون الواقعة الجنسية كالمرود في المكحلة.

    فالمادة 316 (2) من قانون العقوبات سنة 1983 تنص كالآتي :-

    "يثبت الزنا بشهادة أربع شهود عيان على واقعة إدخال الذكر أو الحشفة في الفرج أو الدبر أو بإقرار صريح غير مرجوع فيه أو بالحمل".

    والمادة 77 من قانون الإثبات سنة 1983م تنص على أن جريمة الزنا تثبت :

    1- بالإقرار الصريح بذلك في مجلس القضاء ما لم يعدل عنه قبل البدء في تنفيذ الحكم أو.

    2- بشهادة أربعة رجال عدول ويؤخذ عند الضرورة شهادة غيرهم أو.

    3- بالحمل إذا لم يكن للمرأة زوج.

    4- بالملاعنة في حالة زنا الزوجة وعدم وجود شهود وذلك بشهادة زوجها أربع شهادات بالله على واقعة الزنا والخامسة أن لعنه الله عليه إن كان من الكاذبين.

    وقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي للعالم الفقيه عبد القادر عودة الجزء الثاني ص 365 ما يلى:

    "من المتفق عليه أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة شهود وهذا اجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم لقوله تعالى : "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم" وقوله " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" وقوله "لولا جاءوا عليه بأربعة شهود فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون" ولقد جاءت السنة مؤكدة لنصوص القرآن ومن ذلك أن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم "أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم "نعم" وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لهلال بن أمية لما قذف بامرأة شريك ابن خصاه "البينة وإلا حد في ظهرك" وروى عنه أنه قال "أربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك".. وجاء على صفحة 410 من نفس المرجع ما يلى:

    "يشترط جمهور الفقهاء في شهود الزنا أن يكونوا رجالاً كلهم ولا يقبلون في الزنا شهادة النساء ، تلك النصوص قاطعة في أن عدد الشهود لا يقل عن أربعة شهود وأن شهادة الرجل تعادل شهادة امرأتين "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر الأخرى". ولا شك في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم.. فإن في شهادة النساء شبهة لتطرق الضلال إليهن والقاعدة عند جمهور الفقهاء أن الحدود تدرأ بالشبهات".

    "ويشترط أبو حنيفة الأصالة في الشهود أي أن يكونوا شهدوا الحادث بأنفسهم فلا تقبل شهادة الشاهد أي الشهادة السماعية".

    فنصاب شهادة الشهود لإثبات جريمة الاغتصاب "الزنا بغير البالغ" تحت المادة 317 من قانون العقوبات سنة 1983م – هو نفس النصاب المقرر لإثبات جريمة الزنا تحت المادة 316 (1) من ذات القانون وهو لا يقل عن أربعة شهود عيان وعدول من الرجال وبذلك تتجلى سماحة الشريعة الإسلامية الغراء وأرى أن قول محكمة الاستئناف بأن المشرع قد قصد أن تكون جريمة الاغتصاب تحت المادة 317 لا تخضع لوسائل الإثبات المنصوص عليها في المادة 316 (2) من قانون العقوبات سنة 1983م ورد في غير محله ولا يمثل القانون الواجب التطبيق.

    ففي القضية التي بين أيدينا أن الاتهام الموجه ضد المتهم السر محمد السنوسي أنه واقع المجنى عليها هاجر محمد عثمان القاصر غير البالغ بالكيفية المنصوص عنها في المادة 316 (1) من قانون العقوبات سنة 1983م فإنه اتهام بارتكابه جريمة الاغتصاب "الزنا بغير البالغ" تحت المادة 317 من ذات القانون وهي جريمة حدية لأن عقوبتها هي الواردة في المادة 318 من نفس القانون. فإذا لم يتوافر النصاب الشرعي لشهادة الشهود لإثبات تلك الجريمة الحدية وثبتت بالبينة العادية غير الشرعية فإنه لا تجوز الإدانة بجريمة الاغتصاب لعدم ثبوتها شرعاً ولأنه لا يمكن تطبيق عقوبة لم تتوفر بحقها عناصر المخالفة فلا عقوبة إلا على جريمة ولا جريمة إلا بعد إدانة ولكن في تلك الحالة يجب أن تكون الإدانة بالجريمة التعزيزية تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م وهي جريمة جنسية غير حدية لدرء الحد بسبب توفر شبهة عدم الإثبات ففي قضية حكومة السودان ضد على محمد أحمد مجلة الأحكام القضائية سنة 1987م ص 188 قضى بأنه في حالة توفر نصاب الشهادة الشرعية في الجريمة الحدية يمكن الإدانة بها وإن لم يتوفر نصاب الشهادة الشرعية ولكن ثبتت التهمة بالبينات المادية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة غير حدية.

    فليس هنالك أربعة شهود عيان وعدول من الرجال أو ما يعادل شهادتهم من النساء شهدوا أو شهدن جريمة الاغتصاب المدعى بها في هذه القضية التي بين أيدينا بحيث أنهم شاهدوا أو شاهدن ذكر المتهم السر محمد السنوسي في داخل فرج المجنى عليها القاصر غير البالغ هاجر عثمان كالمرود في المكحلة وإذا كان ذلك كذلك وإذا كان الاتهام لم يقدم من الشهود سوى المجنى عليها هاجر عثمان التي كانت شهادتها معززة بالأدلة الأخرى المباشرة وغير المباشرة والتي – كما سوف أبين فيما بعد – يركن لها الضمير ويصدقها يطمئن لها الوجدان والتي تستطيع المحكمة من خلالها أن تكون عقيدتها للتعويل عليها فإنى أرانى أجد أن الجريمة التي ارتكبها المتهم السر محمد السنوسي ليست بالجريمة الجنسية الحدية تحت المادة 317 من قانون العقوبات 1983م لعدم ثبوتها بشهادة الشهود ذات الثقة والنصاب الشرعي ولكنه ارتكب الجريمة الجنسية غير الحدية والتعزيزية تحت المادة 319 من ذات القانون لدرء الحد بشبهة عدم الإثبات وثبوت تلك الجريمة الجنسية الحدية تحت المادة 317 بالبينة المادية وبالطبع لا يجوز اطلاق سراح المتهم المذكور نهائياً بحجة أن الجريمة الحدية تحت المادة 317 لم تثبت بالشهادة الشرعية لأن عدم كفاية شهادة الشهود ذات النصاب الشرعي في جرائم الحدود حيث أنه ليس هنالك دليل آخر إلا الشهادة لا يؤدى إلى البراءة إذا كان في الإمكان الإدانة بجريمة غير حدية أي تعزيزية أخرى ففي قضية حكومة السودان ضد عبد الله طه الطاهر نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس سنة 1984م ص 20 قضى بأن عدم كفاية البينة الشرعية لتوقيع العقوبة الحدية لا يعنى براءة المتهم أن هنالك من القرائن ما يكفى في إدانته لتوقيع عقوبة تعزيزية وقد يقال بأن المتهم المذكور لم يقم بفعل فاحش على جسم المجنى عليها المذكورة مثال تقبيلها أو تفخيذها أو اعتصار أعضاء جسمها الحساسة إلى جسمه بطريقة تثير نار الشهوة فيه وتأججها أو فعل آخر دون الإيلاج ولكن الرد هو أن تلك الحقيقة ينبغى ألا تقود إلى براءة المتهم المذكور من طائلة الجريمة تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م وإفلاته من العقاب لأن جريمة الاغتصاب تحت المادة 317 "الزنا بغير البالغ" هنا ثابتة بشهادة ليست ذات الصفة والنصاب الشرعي أي بالشهادة العادية مما أدى إلى درء الحد والنزول بالجريمة الجنسية الحدية تحت المادة 317 إلى الجريمة الجنسية غير الحدية والتعزيزية تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م بسبب توافر شبهة عدم الإثبات والحدود تدرأ بالشبهات حسب القاعدة التي تكشف جانبا ًمن سماحة قوانين الشريعة الإسلامية الغراء.

    إن إفادة الحدث القاصر كالمجنى عليها هاجر عثمان في القضية التي بين أيدينا والتي تبلغ من العمر في تاريخ الحادث حوالي ست سنوات وشهرين و17 يوم على وجه التقريب مقبولة قانونياً في إثبات الجرائم الغير حدية كالجريمة التي نحن بصددها تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م شريطة أن تكون حسب نظرية المحكمة مدعمة ومؤيدة بأدلة أخرى مستقلة مباشرة أو غير مباشرة تربط المتهم بالجريمة ربطاً قوياً لا فكاك منه – فالقانون لم يحدد سناً معينة كحد أدنى لعمر الشاهد الذي يتعين الارتكاز في الإدانة على شهادته فلم يشر قانون الإثبات سنة 1983م إلى ذلك مطلقاً ولكن يجب في القانون أن يكون الشاهد الحديث مدركاً لطبيعة الأشياء التي تدور حوله بفطنته الفطرية وحسن فهمه كما يجب أن يكون مدركاً للنتائج المترتبة على صدقه من عدمه بعد أداء القسم أو دون أداء القسم وعاقلاً ومميزاً للوقائع التي يشهد بها حسب نص المادة 18 من قانون الإثبات سنة 1983م وكما جرى العمل يجب عدم الركون لشهادة الحدث دون تعضيد وتعزيز بينته لما في ذلك من التحوط وبراءة الذمة والاطمئنان على تحقيق العدالة والإنصاف ففي قضية حكومة السودان ضد ضو البيت أحمد النضيف مجلة الأحكام القضائية سنة 1976 ص 564 قضت المحكمة العليا بأن بينة الأحداث يجب عدم قبولها إلا إذا كان الحدث يتوافر فيه الضبط وهو حسن السماع وحسن الفهم وحسن الحفظ لحين أداء الشهادة وأن يكون مدركاً للواجب قول الحق وبعد هذا كله يجب أن تؤيد ببينة أخرى.

    ففي القضية التي بين أيدينا تتلخص إفادة المجنى عليها هاجر عثمان بأن المتهم السر محمد السنوسي بعد أن استدرجها وأخذها ليشترى لها حلوى قام هنالك في ذلك الموضع النائي البعيد عن أعين وأسماع الناس بالاتصال بها اتصالاً جنسياً كاملاً بالعنف والقوة فقد تعرفت المجنى عليها على المتهم في طابور الشخصية بكل ثقة واطمئنان ودون تردد ودون اضطراب مما يتبين توافر حسن السماع وحسن الفهم وحسن الحفظ فيها وأنها مدركة كل الإدراك بالواجب في قول الحق برغم أنها لم تؤد إفادتها على اليمين وأيضاً أجد من البينات المباشرة وغير المباشرة ما يكفى لتعضيد إفادة المجنى عليها المذكورة.

    فالحدثان شاهيناز محى الدين وبشير الدسيس أكدا في شهادتهما التي ليست على اليمين بأن المتهم المذكور هو الذي أخذ المجنى عليها من بين أطفال عدة عندما كانوا يلعبون أمام منزلها وقد تعرفا في طابور الشخصية على المتهم بكل سهولة ودون تردد وأجد أيضاً في التقرير الطبي عن المجنى عليها ما يعضد إفادتها حيث أثبت الإيلاج وإزالة البكارة بعنف وقوة وأيضاً في تقرير المعامل الجنائية أجد تعضيداً لإفادة المجنى عليها حيث ورد فيه أن الدم الذي وجد على لباس المتهم هو نفس فصيلة دم المجنى عليها الذي نزل على لباسها أيضاً.

    ومعلوم أن إفادة الضحية كالمجنى عليها في هذه القضية التي بين أيدينا مقبولة قانوناً في إثبات جريمة الجنس غير الحدية كالجريمة التي نحن بصددها تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م بشرط أن يكون مؤيدة بأدلة أخرى لأنه جرى العمل على ضرورة تعضيد شهادة المجنى عليه أو الضحية في الجرائم الجنسية لأن الضحية قد تبالغ في رواية ما حدث لها ولأن إدعاءات الجرائم الجنسية من السهل اختلاقها ومن السهولة بمكان ونفيها بسبب السرية التي تكتنف ظروف ارتكابها فالتحوط واجب والتثبت في إثباتها ضرورى بإلزام الاتهام بتقديم البينات التي يؤيد إفادة المجنى عليه "الضحية" والظروف وقرائن الأحوال التي تعززها والملابسات المحيطة بالوقائع التي تعضدها ففي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم عبد القادر إبراهيم مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م ص 310 قال المحكمة العليا ما يلى :

    "إن الذى جرى عليه العمل أرسته السوابق أن الإفادة المقتضبة في قضايا الاغتصاب تحتاج إلى تدعيم ونوعية البينة المدعمة تعتمد على الحقائق في كل قضية ففي حالة ما ينكر الجاني واقعة الاغتصاب فإنه ينتظر أن يأتي التدعيم في البينة الطبية التي قد تثبت وجود إصابة في أعضاء المجنى عليها الجنسية أو إصابة في أجزاء أخرى من جسمها تكون قد تسبب لها أثناء مقاومة الاغتصاب أو وجود آثار من السائل المنوي على جسم المجنى عليها أو الجاني. وفي كل الأحوال فإن أهمية قصوى تعلق على تصرف المجنى عليها بعد الواقعة وأن تصرفها بالتبليغ الفوري عن الحادث أو عدم التبليغ هو واحد من القرائن المهمة التي تؤخذ في الاعتبار".

    ففي القضية التي بين أيدينا نستطيع التعويل على إفادة المجنى عليها هاجر عثمان بأن الذي واقعها هو المتهم السر محمد السنوسي طالما أن هذه الإفادة هنالك من البينات المستقلة المباشرة والغير مباشرة تؤيدها وتعضدها على النحو الذي أسلفت بيانه وتربط المتهم المذكور ربطاً مباشراً وقوياً لا فكاك من بتوريطه وبارتكابه الجريمة تحت المادة 318 من قانون العقوبات سنة 1983م. ألاحظ أن المتهم لم يدفع بدفع الجنون وليس هناك في تصرفاته وسلوكه وأفعاله من قبيل الحادث وأثنائه ومن بعده ما يشير إلى جنونه ومن ثم لا يستفيد المتهم من ذلك الدفع.

    وحيث أنى توصلت إلى نتيجة أن المتهم السر محمد السنوسي – على النحو الذي أسلفته بيانه – قد ارتكب الجريمة الجنسية غير الحدية تحت المادة 319 من قانون العقوبات سنة 1983م فإنى أرى تعديل الإدانة التي قررتها محكمة الموضوع وأيدتها محكمة الاستئناف بالجريمة الحدية تحت المادة 317 من ذات القانون إلى الإدانة بتلك الجريمة غير الحدية كما أرى إلغاء قرار محكمة الاستئناف بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع العقوبة الحدية بموجب المادة 318 من نفس القانون وأقرر إعادة الأوراق لها لتوقيع العقوبة التعزيزية تحت المادة 319 من نفس القانون.

    القاضي : صالح الشريف

    التاريخ: 6/10/1988م

    أوافق. ورغم أن الإدانة في الجرائم الجنسية عندما يكون المجنى عليه والشهود أطفالاً ، في هذه الحالة يجب أن تصدر الإدانة بحذر شديد وبعد توفر التعضيد الكافي وفي القضية التي أمامنا تأيدت أقوال المجني عليها بما جاء في أقوال الأطفال جاءت البينة الطبية وزادت من ذلك التأييد ، وعليه يكون ارتكاب المتهم لجريمة جنسية ثابتة بالبينة. فقط ولتخلف النصاب الشرعي للبينة لا يمكن عقوبته حداً ، إنما تعزيزاً بموجب المادة 319 من قانون العقوبات لعام 1983م.

    القاضي: عبد المنعم الزين النحاس

    التاريخ: 2/11/1988م

    استعرض الزميل العالم على الولي البينات بإسهاب ، لا أجد إزاءه مبرراً لرصده مرة أخرى بيد أن الواضح لدى ، أن بينة الطفلة الشاكية في هذا الصدد عضدتها بينات مباشرة أدلى بها صويحباتها ، اللاتي كن يزاملنها في اللعب ، حيث تعرفن على المتهم في طابور الشخصية مع زميلتهن ، واختياره للشاكية من بينهم اقتياده لها ، وقد عثر على الشاكية في حالة إغماء تام وكشف الفحص الطبي اتصالاً جنسياً كاملاً أدى إلى النزيف وإعياء الشاكية ، كما عثر في الملابس الداخلية للمتهم على بقع دم أثبت الفحص المعملى أنها من نفس فصيلة دم الشاكية.

    ألا تكفى هذه البينات لإثبات واقعة الاغتصاب تحت المادة 317 عقوبات ؟ الإدانة تحت المادة 317 عقوبات يعاقب عليها ، بنص المادة 318 عقوبات ، كجريمة زنا ، بالإعدام إذا كان المتهم محصناً ، والجلد مائة جلدة إذا كان بكراً. العقوبة من نصوص المادتين (317، 318) واحدة في الزنا والاغتصاب ، ولكن التساؤل يثور هل إثبات الاغتصاب يتم بنفس أسلوب إثبات الزنا أي أن يكون وفقاً للمادة 316 (2) عقوبات (بشهادة أربع شهود عيان على إدخال الذكر في الفرج أو بإقرار صريح غير مرجوع أو بالحمل) صريح نص المادة 317 عقوبات يعتبر أن الشخص قد ارتكب جريمة الاغتصاب إذا (واقع شخصاً غير بالغ بالكيفية المنصوص عنها في المادة 316 عقوبات) المادة (1) توضح كيفية الزنا أن "يدخل ذكره أو حشفته أو ما يعادلها من مقطوعاته في فرج شخص مطيق أو دبره " هذه هي الكيفية المقصودة من نص المادة 317 عقوبات لكيفية الاغتصاب. ولكن المادة 317 عقوبات لم تشر إلى كيفية إثبات واقعة الاغتصاب. هل يكون الإثبات بنفس أسلوب كيفية إثبات الزنا كم ورد في نص المادة 316 (2) المشار إليها أعلاه.

    هناك اختلاف واضح بين جريمة الزنا الذي يفترض في أغلب الأحيان أن تكون بموافقة الطرفين أو كما تشير المادة 316 (1) " السماح بينما في جريمة الاغتصاب الإجبار والقسر شرط أساسي لإثبات الاغتصاب. ولذا يتعذر أن تكون معايير الإثبات في جريمة الزنا هي نفس المعايير في إثبات جريمة الاغتصاب. وهذا ما حدا بى أن أميل إلى القول أن واقعة اعتداء المتهم على الشاكية ثابت دون مرحلة الشكل المعقول. بينة الشاكية وزميلاتها ، التقرير الطبي ، حالة الشاكية النفسية والجسمانية عندما عثر عليها ملقاة في مكان الحادث. ولا يخامرنى شك في أن المتهم هو الذي ارتكب الحادث. لذا كنت أرى أن تكون الإدانة تحت المادة 317 عقوبات كما ارتأتها المحاكم الأدني.