الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
شركة فالكون للملاحة// ضد //أحمد موسى محمـــــد
[رجوع]
نمرة القضية:م ع / ط م/ 107 / 1999م
المحكمة:/
العدد:1999

المبادئ:
  • القانون البحري  -  الوكيل البحري  -  متي يكون ضامناً غارماً.
  • القانون البحري  -  الوكالة البحرية  -  تعريفها.
  • 2 -  الوكيل البحري بقبوله الوفاء أو حتى مجرد وعده بالوفاء أو التزامه به كاف لوضعه في التزام الضامن الغارم بذلك الوفاء ويكون ما التزم به من الحقوق التي كفلها له عقد الوكالة والضمانة في مطالبة الموكل بها كديون ممتازة.
    1 -  الوكالة البحرية عقد يبرمه مجهز السفينة مع شخص أو أشخاص سواء أكان شخصاً طبيعياً أم اعتبارياً لينوب عن السفينة بمقتضى هذه الوكالة ولغرض القيام بجميع الأعمال المتعلقة بالحاجات المعتادة اللازمة للسفينة .
    الحكم:

    المحكمة  العليا

     سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي          قاضي المحكمة العليا    رئيسا

    سعادة السيد /  مصطفى عبد القادر                   قاضي المحكمة العليا     عضوا

    سعادة السيد /  حسب الله محمد توم                   قاضي المحكمة العليا    عضوا

    الأطراف :

                   شركة فالكون للملاحة                  طاعن

    // ضد //

    أحمد موسى محمـــــد           مطعـون ضده

    النمرة :  م ع / ط م/ 107 / 1999م

    المحامون :

    الأستاذ / صلاح محمد عثمان                               عن الطاعنة

    الأستاذ / الطاهر حسن محمد                                عـن المطعون ضده

    الحكـــم

    هذا طعن بالنقض ضد قضاء الاستئناف أ س م/ 202/1999م والقاضي في 30/6/1999م بإلغاء الحكم الابتدائي في ق م/1095/1996م والقاضي بشطب الدعوى وإصدار حكم جديد تحت المادة 205 إجراءات مدنية لسنة 1983م يقضي بأن تدفع المدعي عليها للمدعـــي مبلغ وقــدره (9مليون و 100 ألف دولار أمريكي ) وأتعاب المحاماة (250 دولار) أمريكي أو ما يعادلها بالعملة السودانية بسعر الصرف وقت السداد .. ويدور محور الطعن المقدم من الأستاذ / صلاح محمد عثمان المحامي في الآتي :

    أولاً : تقوم الدعوى علي مطالبة المدعي بمبلغ 9 ألف و 100 دولار أمريكي في مواجهة المدعي عليها عبارة عن ( تموين ) للباخرة بمواد تموينية سلمت لكابتن الباخرة سوزا رال .

    ثانياً : يري الطاعن أن قضاء الاستئناف لم يحالفه التوفيق من حيث القانون وتطبيقه ومن حيث وزن البينة علي أساس :

    1 -  المدعـــي عليها وكيلة بحرية عن ملاك الباخرة ( سوزال رال ) وحـــدود وكالتهم في تموين السفينة بموجــب تفويض ملاك السفينـــة ( بمبلغ 2 ألف و 500 دولار ) .

    2 -  قام المدعي بالتعامل مباشرة مع ( كابتن الباخرة ) دون موافقة المدعي عليها وبالتالي يتحمل الكابتن وأصحاب الباخرة المسئولية كاملة من هذا التعامل لأن الوكيل مفوض في حدود المبلغ الذي أوكل في سداده.

    3 -  تقوم المطالبة ( للوكيل البحري ) علي أساس مخالف للمواد 417- 418- 422(1) معامـــلات مدنيــة التي تحـــدد طبيعة وحـــدود مسئولية الوكيل والبينة تؤكد أن الإجراء الواجب اتباعه علي متعهد ( التموين البحري ) بالنسبة ( لعقود التموين ) أنه في حالة عدم التزام الكابتن بالسداد نقداً يجب علي المتعهد قبل القيام ( بالتموين ) الرجوع إلي الوكيل البحري للسفينة لمعرفة المبلغ الذي سيتفق عليه لتموين الباخرة ... ومهمة الوكيل وقبل الالتزام أن يتصل بملاك الباخرة لمعرفة المبلغ الذي سيتم الالتزام به للتموين ويوضع المبلغ تحت حساب الوكيل وبعد ذلك يتم التموين ويقدم المتعهد فواتيره في حدود المبلغ المتفق عليه. فالمتعهد لا يستطيع تموين الباخرة إلاّ بعد موافقة الوكيل علي التموين.

    4 -  أكدت البينة أن الوكيل لا يستطيع دفع أي مبالغ أكثر من التي حددها الأصيل ( أصحاب الباخرة ).

    5 -  مجرد وجود توقيع أحد موظفي ( المدعي عليها ) علي الفواتير لا يعني وجود تعهد والتزام من المدعي عليها بسداد قيمة الفواتير لأن التوقيع الغرض منه عرض الفواتير للوكيل ليخاطب الملاك ( الأصيل ) لأخذ موافقته عليها.

    6 -  تثبت الوقائع والبينة أن المدعي خاطب ملاك الباخرة مباشرة مطالباً إصدار توجيه للوكيل بسداد قيمتها مما يؤكد تعامله المباشر مع الأصيل.

    7 -  المدعي قام بتموين الباخرة دون أي تعليمات أو موافقة ( أصحاب الباخرة ) علي ذلك بما يؤكد مسئولية الكابتن الشخصية عن هذا الالتزام.

    8 -  حتى بفرض أن المدعي عليها استلمت الفواتير للسداد فإن التزامها كوكيل يكون في حدود الوكالة وليس في حدود المبلغ المطالب به ( يشير إلي المرجع كتاب الوسيط - للسنهوري - البند (7) ص 588 .

    9 -  الأصيل ( أجنبـــي ) وبالتالي فلا يقــــع الالتزام علــــي الوكيل بل علي الأصيل والوكيل لا يقاضي بصفته أصيلاً بل يقوم بالوفاء إنابة عـــن الأصيل في حدود وكالته وبالتالي لا تجوز له الوكالة الدفع أكثر من ( 2 ألف 500 دولاراً ).

    ومن محصلة طلبه يلتمس إلغاء الحكم الاستئنافي المطعون فيه وتأييد الحكم الابتدائي بشطب الدعوى.

    صرح الطعن وتقدم الأستاذ / الطاهر حسن محمد المحامي برد إنابة عن المطعون ضده علي الطعن في النقاط التالية :

    أولاً: من الوجهة الشكلية :  لا ينعقد الاختصاص للمحكمة العليا بنظر الطعن ويتعين شطبه ( شكلاً ) بموجب المنشور (44) المنظم للاختصاص القيمي للطعن بموجب المادة (207) إجراءات مدنية لسنة 1983م والذي ينص علي وجوب أخذ الإذن بالطعن بالنقض بالنسبة للدعاوى التي تقل قيمتها عن  5 مليون دينار - وطالما كانت قيمة الدعوى حوالي 2 مليون و 600 ألف ج ولم يتحصل الطاعن علي إذن بالطعن فلا ينعقد الاختصاص لدائرة المحكمة العليا .

    ثانياً : من حيث الموضوع فلا سند للطعن حيث :

    1 -  الاتفاق علي تموين الباخرة بالمواد التموينية تم بين ( قبطان الباخرة ) والمدعي بقيمة بلغت 9.100.000 مليون دولار أمريكي ... وعند مطالبته بالسداد أفاد بأن السداد علي حساب ملاك الباخرة لدي الوكيل البحري وبالرجوع إلي الوكيل البحري طلب تأشير القبطان علي الفواتير والقيمة الواردة فيها وبالفعل قام بالتوقيع عليها محولاً السداد إلي المدعي عليها من حساب ( ملاك الباخرة ) بعبارة :  

    To be paid Under the owners account     

    وبعرض الفواتير علي الموظف المختص بالشركة المدعي عليها قام بالتأشير عليها بعبارة ( استلمنا الأصل لإجراء الدفع ) ورغم ذلك رفضت الطاعنة الوفاء وكانت الدعوى لهذا السبب .

    2 - عبارة ( استلمنا الأصل لإجراء الدفع ) تعني التزام الوكيل بالسداد ووفقاً لنص المادة (12) من اتفاقية ممولي السفن فالوكيل ملزم بالسداد قبل مغادرة السفينة الميناء ( ان الوكيل البحري ملزم بسداد كل المبالغ المدفوعة لتموين السفينة قبل مغادرة السفينة الميناء المعني ) .. والطاعن أمامه خيار أن لا يتعهد بالسداد من حساب أصحاب الباخرة حتى يتمكن المدعي من مقاضاة ( ملاك الباخرة ) مباشرة .. وطالما التزم بإرادته الحرة دون وجود ارتباط والتزام يربطه بالمدعي فعليه الوفاء بما تعهد به باعتباره التزام شخصي بالسداد وهو ما أكدته بينة دفاع المدعي عليها ومديرها حيث لا تنكر المدعي عليها أن التوقيع والأختام علي مستندات الادعاء من (1 إلي 5 ) هي خاصة بها وأنها أرسلت إلي رئاسة الشركة بالخرطوم للسداد بما يؤكد الالتزام بالوفاء.

    ويلتمس من محصلة رده شطب الطعن.

    وبالرجوع إلي المحضر وحكم الاستئناف المطعون فيه أري أن الطعن يتعين شطبه ولما يلي من أسباب :

    أولاً : بالنسبة للدفع الشكلي الذي أثاره المطعون ضده حول عدم الحصول على ( إذن ) بالطعن بموجب المنشور (44) المنظم للاختصاص القيمي للطعن أمام المحكمة العليا ... فلا سند لقبوله من الوجهة القانونية ولما يلي من أسباب :

    1 -  وفقاً لنص المادة (207) إجراءات مدنيـة ( يجوز للأطراف أن يطعنوا بالنقض أمام المحكمــة العليا فـــي الحالات الآتية : [ تعديل 1997م و منشــور (44) ] :

    (أ )  الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف في القضايا التي يحدد قيمتها رئيس القضاء بمنشور منه .. الخ .. علي أنه إذا كانت قيمة الدعوى أقل من خمسة مليون دينار فيجب أن يتحصل الطعن علي إذن من رئيس القضاء أو من يفوضه من قضاة المحكمة العليا ويكون قراره في هذا الشأن نهائياً.

    2 -  الذي يحدد سريان النصوص الإجرائية الجديدة أو أي تعديل في النصوص القديمة بالنسبة لما اكتمل من إجراءات قبل صدورها أو الأحكام التي صدرت قبل صدور هذه التعديلات أو النصوص الجديدة هو نص المادة (4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م .. وقد وضع المشرع هذا النص لينظم ( كيفية سريان النصوص الجديدة أو أي تعديلات جديدة علي ما سبق صدوره من أحكام واكتمل من إجراءات قبل صدوره وفقاً لقاعدة ( رجعية القوانين ) وعدم رجعيتها ) وحيث تعديل الاختصاص القيمي بالطعن من النصوص الإجرائية فإن النص الجديد لا يسري بصريح النص علي الدعاوى ( التي فصل فيها والإجراءات التي تمت قبل صدوره ) فالنص يقول ( تسري نصوص هذا القانون على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى وما لم يكن قد فصل فيه من الإجراءات قبل تاريخ العمـــــل بتلك النصوص ..الخ .. ولفظ ( ما لم يكن قد فصل فيه ) يعني وفقاً لقواعد التفسير بموجب المادة (6) من قانون تفسير القوانين لسنة 1974م ( الدعاوى والإجراءات التي لم يفصل فيها وقت سريانه أما تلك التي فصل فيها قبل صدوره فلا تسري عليها النصوص الجديدة وتسري عليها النصوص الإجرائية القديمة التي كانت سارية وقت الفصل في الدعوى ووقت تمام الإجراءات في ظلها ... وبالتالي فالذي يحدد سريان النصوص الإجرائية الجديدة علي الدعاوى هو تاريخ الفصل في الدعوى وتاريخ تمام الإجراء ... وبالتالي فإذا كان الحكم الذي فصل في الدعوى ابتدائياً قد صدر قبل صدور النص الجديد أو اكتمل الإجراء المعني قبل صدور القانون الجديد أو النص الجديد لا يسري حسب منطوق المادة (4) إلاّ علي ( ما لم يكن فصل فيه من الدعاوى أو ما تمّ من إجراءات ) وبالتالي فطالما كان الحكم الابتدائي قد فصل في الدعوى في 8/5/1999م  أي قبل صدور المنشور(44) فإن أحكام المنشور لا تنطبق عليه بل تسري أحكام المنشور (42) الذي كان سارياً وقت الفصل في الدعوى بالنسبة للاختصاص القيمي للطعن ..وحيث قيمة الدعوى أكثر من 2 مليون جنيه والمنشور (42) يحدد الاختصاص القيمي بواحد مليون فإن الطعن في هذه الحالة لا يحتاج إلي إذن بالطعن وعليه لا سند لما آثاره المطعون ضده ( بشأن عدم الاختصاص ).. وهنا لا بد من الإشارة إلي أن هذه المسألة حسمتها السابقة :

    (م ع/ط م/170/1999م محمد محمد الحسن //ضد// بشير يوسف عبد الحميد) بتاريخ 7 /12/1999م ( غير منشورة ).

    ثانياً :  السؤال الذي يطرح نفسه في الطعن هو :

    ما هي حدود الوكالة البحرية ؟ وهل يعتبر الوكيل البحري مسئولاً عن أي التزام للأصيل ؟ أو أن التزامه في حدود وكالته ؟ وهل يجوز مقاضاة الوكيل لمجرد صفة الوكالة ؟ وعن كل التزام ناشئ مع الأصيل ؟.

    في تقديري أنه من الأهمية في المناقشة القانونية وضع المناقشة المتعلقة بأية مسئولية مدنية أو التزام مدني في إطاره القانوني الذي حدده القانون ونظمه لتلك المسئولية ولذلك الالتزام ( فالوكالة البحرية ) لفظ عام يشمل أنواع متعددة من الوكالة كما أن لكل نوع من الوكالة ( معني محدداً) يحدد به مسئولية الوكيل والموكل فالوكالة ( عقد ) تسري عليه كل أحكام عقود الوكالة من شروط وواجبات والتزام بالإضافة إلي الشروط الخاصة المرتبطة بنوع كل وكالة تفرضها طبيعة الوكالة والعرف الذي يحكم العلاقة الناشئة عنها في حالات الوكالة التجارية وبأجر والمرتبطة بالسفينة كمنشأة بحرية .. والوكالة البحرية كما يعرفها فقه القانون البحري هي ( عقد وكالة يبرمه مجهز السفينة مع شخص أو أشخاص سواء أكان شخصاً طبيعياً أم اعتبارياً لينوب عن السفينة بمقتضى هذه الوكالة ولغرض القيام بجميع الأعمال المتعلقة بالحاجات المعتادة اللازمة للسفينة ) والحاجات المعتادة للسفينة مرتبطة بما تحتاجه السفينة من لحظة إعلام الوكيل البحري بقدومها إلي الميناء إلي لحظة رسوها إلي لحظة مغادرتها الميناء وتختلف تلك الحاجيات من رحلة إلي رحلة ومن وقت لآخر وفي إطار العقد أو العرف الذي يحكم الوكالة ونطاقها وحدودها وطبيعة أعمال بعينها ومن أمثلة مهام وأعمال الوكالة تسلم البضائع لشحنها عند قيام السفينة أو تسليم البضائع لأصحابها بعد تفريغها من السفينة عند الوصول أو بتحصيل أجرة النقل المستحقة إنابة عن مجهز السفينة وتشمل مهام والتزامات الوكيل القيام بالأعمال القانونية المعتادة للسفينة والرحلة كشراء المؤن والوقود وقطع الغيار والتعاقد علي إجراءات الإصلاحات وقبض أجرة النقل متي كانت مستحقة في ميناء الوصول وهي التزامات ومهام تعتبر أصلاً من اختصاصات ( ربان السفينة ) بنفسه أو يعهد بها إلي الوكيل وهو المستقر الغالب في العمل البحري لكثرة حاجـات السفينة والرغبة في تقصير توقف السفينة بالميناء وسهولة عمليات النقل البحري وبالتالي فالوكيل ينوب عن السفينة والمجهز في الميناء الذي يوجد فيه الوكيل في حدود تنفيذ عقد النقل البحري وهذه الوكالة تلغي علي الوكيل مسئولية تجاه المجهز والسفينة للمحافظة علي مصالحه وحقوقه قبل الأفراد وغيرهم واتجاه السلطات الرسمية في الميناء كدفع رسوم الميناء واستخراج التراخيص وإعداد ما يلزم لشحنها أو تفريغها أو رسوها أو مغادرتها لرصيف الميناء والأصل أن الوكيل البحري والذي يطلق عليه أيضاً ( الوكيل الملاحي أو أمين السفينة ) لا يسأل عن أخطاء الموكل ( السفينة أو المجهز ) بالنسبة لتلف أو هلاك أو عجز البضاعة إلا في حالة خطئه الشخصي وخطأ تابعيه وفقاً للقواعد العامة المسئولية التقصيرية وكل ما هو مطلوب من الوكيل في تنفيذ الوكالة عناية الرجل ( المعتاد ) ومن أنواع الوكالة وكالة الشحنة أيضاً ( أي الوكالة عن أصحاب البضائع في استلامها ) وهنا يكون وكيلاً عن أصحاب البضاعة أو المرسل إليه وليس ( وكيلاً عن السفينة ) لأن عقد وكالته هنا مرتبط بعقود وكالة مأجورة للقيام بأعباء الوكالة إنابة عن أصحاب البضاعة وهو أيضاً عقد تحكمه القواعد العامة للوكالة وهنالك نوع آخر من الوكالة البحرية يسمي وكيل العبور أو الترانزيت وهو هنا وسيط يتلقي البضائع المرسلة عبر رحلات متعددة الأجزاء من الناقل البحري واتخاذ ما يلزم لإعادة إرسالها لتكملة الرحلة بمعرفة ناقل آخر ( بحري أو نهري أو بري أو جوي ) نظير عمولة معينة وقد يقوم خلالها بأعمال قانونية كإبرام عقد النقل الثاني أو عقد التأمين أو الإجراءات الجمركية ( أنظر كتاب أشخاص الملاحة البحرية / للمستشار كمال حمدي – 1993م - ص 189 ( وكتاب القانون البحري – 1992م - دكتور / حسن الماحي ص 175 ) وواضح من محضر الدعوى والنزاع أنه لا خلاف حول أن المدعي عليها وكيل ( بحري ) للسفينة ولا خلاف حول أن ربان السفينة وبوصفه وكيل الأصيل تعاقد علي التموين الذي يطالب به المدعي .. ولكن الخلاف يدور حول :

    1 -  هل يجوز مقاضاة الوكيل أصالة بدلاً عن الأصيل ورفع الدعوى مباشرة في مواجهة الوكيل لمجرد وكالته ؟

    2 -  هل يلزم الوكيل البحري بأي التزامات تنشأ علي الأصيل حتى ولو خرجت عن حدود وكالته ؟

    3 -  هل يفترض في المتعاقد مع الأصيل معرفة حدود وكالة الوكيل قبل التعاقد مع الأصيل ( السفينة ) ؟

    4 -  هل التزام الوكيل بالسداد إنابة عن الأصيل بما يجاوز التزامات وكالته قبل الأصيل فهل يجعله ضامناً للأصيل فيما يجاوز تلك الحدود وبالتالي يجوز مقاضاة الوكيل بناء علي الالتزام ؟

    وبالرجوع إلي المحضر واستقراء كل من الحكم الابتدائي وأسبابه والحكم الاستئنافي وأسبابه يمكن التوصل إلي إجابة لكل الأسئلة التي طرحها الطعن علي النحو التالي :

    (أ )  حكم المحكمة الابتدائية القاضي بشطب الدعوى يتلخص في الآتي :

    1 -  المسئولية والالتزام الذي أبرمه الربان التزام علي الأصيل وليس الوكيل والتزام الوكيل بالسداد بناء علي تعليمات الوكيل لا يجعله مسئولاً بصفته الشخصية عن دين الأصيل طالما كان الوكيل يتصرف في حدود وكالته المادة (48) معاملات مدنية لسنة 1984م .

    2 -  التزام الوكيل بالسداد لا يجعل تنفيذ الالتزام علي الوكيل بدلاً عن الأصيل وبغرض التزام الوكيل فإن الالتزام معلوم أنه في حدود الوكالة وبالتالي فلا سند للدعوى في مواجهة الوكيل .

    (ب)  حكم الاستئناف يتلخص في :

    1 -  الثابت أن الوكيل لم يكن طرفاً في عقد التموين  للسفينة بل أبرمه الربان مباشرة ولم يوقع الوكيل ( التزام ككفيل للأصيل ) والوكيل مسئول قبل مجهز السفينة عن ( إخلاله بعقد الوكالة ) ولا يكون مسئولاً قبل الغير إلاّ عن ( خطئه الشخصي ) وخطأ ( تابعيه ) فالوكيل غير مسئول عن أخطاء منسوبة للمجهز أو الربان ، يترتب عليه ضــرر للغير فالوكيل البحـــري وكيل خاص في معني المادة (418) معاملات مدنيــــة لسنــة 1984م ومقيد بالتزامات يحددهــا عقـــد الوكالة أو العرف البحري لا يملك تجاوزها إلا بموافقة الأصيل ولم يثبت أن وكالة المدعي عليها ( وكالة عامة ) .

    (ب)  طالما التزمت المدعي عليها بسداد مبلغ أكثر من 2.500 ألف دولار أمريكي المحدد في نطاق وكالتها يكون التزاماً شخصياً بالوفاء بما زاد عن حدود وكالتها وبالتالي يكون الوكيل في هذه الحالة ( ضامناً ) لسداد المبلغ في مواجهة الدين ويحق له الرجوع بما دفعه زائداً عن حدود الوكالة علي السفينة أو الحجز لأن ما يدفعه يعتبر في مقام النفقات التي يقرضها الوكيل لربان السفينة لقضاء حوائج السفينة والأعمال المتعلقة بالحاجات المعتادة للسفينة وتعتبر ديونه علي السفينة أو المجهزين ديوناً ممتازة في مواجهة السفينة أو مستأجرها .. وبالتالي يستحق المدعي الحكم له في مواجهة المدعي عليها بالمبلغ وهو 9.100 ألف دولار أمريكي.

    وواضح من ذلك أن كلا المحكمتين قد توصلتا إلي أن الوكيل لا يقاضي بوصفه أصيلاً أو يقاضي إنابة عن الأصيل وأنه لا يقاضي بصفته الشخصية إلا عن أخطائه الشخصية وأخطاء تابعيه التي ترتب ضرراً للغير إلا أن محكمة الاستئناف تري أن الوكيل إذا التزم بسداد ( ما زاد عن حدود وكالته ) يكون ضامناً تجوز مقاضاته بهذه الصفة والحكم عليه بما التزم به التزاماً شخصياً.

    حقيقة  لقد توقفت كثيراً فيما توصلت إليه محكمة الاستئناف في ( اعتبار الوكيل ضامناً ) في حالة التزامه أو قبوله مطالبة الدائن للسفينة والتي تجاوز حدود وكالته في الوفاء إنابة عن السفينة ففي القضية الماثلة أمامنا يقول الوكيل إِن وكالته هي السداد لحساب الموكل في حــــدود 2.500 ألف دولار فقط أمـــا ما زاد فإن قبولــه المطالبــة ليس لغرض الوفاء أو الضمان للموكل بل الرجوع إلي الموكل حــول كيفية ســـــداد الزيادة المتجاوزة لوكالته وأخذ موافقته عليها قبل السداد والسؤال الــذي يطــرح نفسه بناء عــلي ذلك هــو :

    هل يستند قضاء الاستئناف علي أساس قانوني لتقرير مسئولية الوكيل كضامن يكفل الأصيل في أي ديون تجاوز حدود وكالته ؟

    وأري الإجابة بالإيجاب ولما يلي :

    أولاً :  المستقر في فقه القانون البحري أن شخصية الوكيل البحري نشأت في إطار تطور التجارة البحرية واستقرت بحيث أصبحت من الشخوص الضرورية والهامة في كل التعامل البحــري المرتبط بحاجيات وضرورات السفن البحرية في الموانئ البحرية .. فلمسئولية التي أصبحت علي عاتق الوكيل في الأصل هي مسئولية السفينة وربان السفينة بوصفه ( الوكيل المباشر ) للمجهز والسفينة ولظروف التكلفة البحرية للسفينة التجارية من حيث الإنشاء فإنها كرأسمال لا تنتج ما يغطي من نفقات أو تحقيق أرباح تجارية إلا إذا تحركت للعمل التجاري في إطار السرعة وكسب الوقت للقيام بالأعمال البحرية والنقل البحري بأقصى طاقتها وفي أقصر وقت ممكن ليكون الوقت لصالح العمل البحري أكثر منه ( الوقوف بالموانئ ) بلا جدوى أو فائدة في أمور فرعية مساعدة لعمل السفينة ، وبالتالي نشأت فكرة الوكيل البحري ليقوم بكل العمليات البحرية السالف ذكرها في الموانئ بدلاً عن السفينة والربان.

    ثانياً :  أصبح التعامل البحري في جملته من خلال الوكالة البحرية بالنسبة لجميع العمليات البحرية في الموانئ علي عاتق الوكيل وأصبح التعامل المباشر بالنسبة للغير مباشرة مع الوكيل وأصبح التعامل مبنياً علي ثقة الغير في التعامل مع الوكيل وبالتالي تفرض علي الوكيل الحذر البالغ في ذلك التعامل منعاً للأضرار بالغير المتعامل مع السفن والأضرار بالسفن البحرية أو مصالحها ومن المعلوم أن حدود أي وكالة بحرية أو نطاقها لا يكون عادة معلوماً للغير لأن الوكالة عقد بين طرفين ولا علاقة للغير بحدود أو نطاق تلك الوكالة أو مدي مسئولية أطرافها فالغير يتعامل مع الغير بوصفه وكيلاً عن الأصيل كوكيل عام أو خاص في إطار ما يقدمه من خدمات للأصيل وإنابة عنه في التعامل مع الغير.

    ثالثاً : المعلوم في فقه القانون البحري أن قواعد التقاضي المدني أن الغير في الغالب الأعم يتعامل مع ( سفن أجنبية ) لا موطن لها في السودان أو مكان إقامة لتقاضي فيها في السودان وفقاً لقواعد التقاضي التي ( تجوز ) رفع الدعوى علي الأجنبي في حالة المواد ( 7 ، 8 ، 9 إجراءات مدنية لسنة 1983م ) كما أن السفن التجارية الأجنبية لا تملك مالاً أو منقولاً داخل السودان للوفاء بأي حكم في حالة صدوره علي الأجنبي وبالتالي صار المستقر أن ( السفينة ) هي المنقول ( الوحيد الذي يتوافر داخل نطاق اختصاص المحكمة وبالتالي يتم عادة الحجز علي السفن التجارية الأجنبية لحفظ حقوق الأطراف تجاه الحقوق البحرية التي يطالب بها الغير في نطاق اختصاص المحكمة المكاني .. وعادة لا يلجأ المتقاضيان لحجز السفينة إلاّ في حالة خشية استحالة الوفاء بأي حكم لصالح المدعي قد يحكم به ولاستحالة التنفيذ في حالة مغادرة السفينة للمياه الإقليمية السودانية وقد لا تحضر مرة أخري إلي الموانئ السودانية ويرتب الحجز عادة أما إيداع مبلغ الدعوى أو تقديم ضمان يكفل الوفاء بأي حكم قد يصدر في الدعوى بعد مغادرة الميناء وللوكيل البحري عادة دور كبير في هذه الجزئية لتغادر الباخرة الميناء وبالتالي فوضع الوكيل البحري هنا يتطلب الحذر البالغ من جانبه فحجز السفينة يرتب أضراراً بالغة بموكله أي ( السفينة ) وبالتالي يرتب موافقة الوكيل علي الوفاء أو قبوله أية مطالب من ناحية تحقيق مصلحة مباشرة لموكله ومصلحة مباشرة للدائن من حصوله علي حقوقه دون اللجوء إلي الحجز البحري علي السفينة ويرتب أيضا قبوله الوفاء حرمان الدائن من اللجوء إلي الحجز للمحافظة علي حقوقه تجاه السفينة والتي قد تضيع بسبب ذلك ومن ثم أري أن قبول الوكيل لأي مطالبة يعنـي ( ضمانه وكفالته الوفاء بها إنابة عن المالك ) وهذه الضمانة تجعله غارماً بالنسبة للغير بما يخـــول للغير مقاضاته بموجـــب هـــذه الضمانة بوصفه ضامــناً غارماً أو كفيلاً غارماً وليس كوكيل وينشئ الضمان حقاً في مقاضاته في شخصــه للمطالبة بالحـــق الذي ضمنه وأمام الوكيل أن يرفض الوفــاء ابتداء بما يفســــح الطريق أمام الدائــــــن لمقاضاة ( السفينة والمجهز ) مباشـــرة وضمان حقـــه بحجـــز السفينة فالسفينة هـــي الضامنة الأصيل للحق المدعـــي به بالنسبــة للسفــن الأجنبية .

    وعليه أري اتفاقي مع محكمة الاستئناف في أن الوكيل بقبوله الوفاء أو حتى مجرد وعده بالوفاء أو التزامه به كافٍ لوصفه في التزام الضامن الغارم بذلك الوفــــاء ويكــــون ما التزم به من الحقوق التي كفلها له عـقـــد الوكالة والضمانة فـــي مطالبة الموكـــل بهـــا ( كديون ممتازة ) فكل ما ينفقـــه الوكيل لحساب الموكل ( السفينة ) يخــــول لــه القانون وألفقه البحــري العام حق امتياز استرداده من السفينة أو المجهز .. أما ما أثاره الطاعن حـول خطأ الموظف أو أن الموظف ليس له اختصاص بقبول مستندات الطاعن أو أن هذا يخرج عن نطاق الوكالة فلا يعفي الوكيل والضامــن من التزامه فلا شأن للدائن بحــدود الوكالة التي ليس له طـــرف فيها أو بحدودها أو نطاق التزامها فطالما قبـــل الوكيل الوكالة وقبــل الوفــاء حتى ولو كان خطأ منه أو من تابعيه فهذا لا يعفي الوكيل من إلزامه ومــن ضمانه للموكل قبل الغير.

    وعليه أري تأييد ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في هذه الجزئية ومن ثم أري تأييد الحكم المطعون فيه وشطب الطعن برسومه.

    القاضي :  عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

    التاريـخ :  10/1/2000م             

     القاضي :  حسب الله محمد توم                    القاضي :  مصطفي عبد القادر

     التاريخ :  14/2/2000م                       التاريـخ :  16/2/2000م