الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
حكومة السودان ضد حسين الزاكي عبد الله
[رجوع]
نمرة القضية:م ع/ط ج/39/1405هـ
المحكمة:/
العدد:1985

المبادئ:
  • قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – الخشية من الموت أو الأذى الجسيم – لأسباب معقولة 2
  • قانون جنائي – تعويض ( الدين ) – عدم جواز دفع الدية في حالة البراءة .
  • - رغم أن المجني عليه لم يسبب للمتهم أي نوع من الأذى عندما أطلق المتهم النار عليه – إلا أن المتهم بفعله ذلك كان يمارس حق الدفاع الشرعي – لأن خشيته من أن المجني عليه سوف يسبب له الموت أو الأذى الجسيم كانت تقوم على أسباب معقولة وفقاً لوقائع الدعوى وظرفها وأدلتها .

    2- أن القول بجواز الحكم بالدية كتعويض لأولياء الدم حتى في حالة براءة المتهم لا يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية فحسب بل يتنافى أيضاَ مع قواعد العدالة الطبيعية ومقتضى المنطق والعقل .

    الحكم:

    المحكمة العليا

    حكومة السودان ضد حسين الزاكي عبد الله

    م ع/ط ج/39/1405هـ

     

    الحكـــم

    التاريخ : 2/رجب/1405هـ - 24/3/1985م

    القاضي / علي يوسف الولي

    هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة الأستاذ طه إسماعيل أبو قرجة المحامي نيابة عن أولياء دم المقتول بشير محمد بشير عن طريق الفحص طاعناً في حكم محكمة المديرية بالمهدية المؤيد بحكم محكمة الاستئناف الخرطوم والقاضي ببراءة المتهم رقيب شرطي حسين الزاكي عبد الله من طائلة التهمة تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م لقتله المذكور . وينعى الأستاذ أبو قرجة على الحكم بالأسباب الآتية :

    1- أن محكمة الموضوع تجاهلت كل النقاط القانونية التي أثارها في مرافعة الاتهام الختامية وسارت محكمة الاستئناف سيرة محكمة الموضوع حذو النعل .

    2- حيث أن المتهم قد تسبب في خلق الحالة التي اضطرته لممارسة الدفاع عن نفسه فإن حق الدفاع لا يمكن أن ينشأ في حقه .

    3- إن دم الإنسان لا يذهب هدراً في الشريعة الإسلامية ولهذا فإن مبلغ الدية يجب أن يدفع تعويضاً في حالة أي قتل حتى وإن لم يكن قتلاً جنائياً ومن ثم فإنه من الواجب أن تحكم المحكمة بدية تعويضاً لأولياء الدم حتى في حالة ثبوت براءة المتهم .

    نوجز وقائع هذه القضية في أنه بتاريخ 5/1/1984م في حوالي الساعة الثامنة و النصف ليلاً ذهب المتهم على رأس حملة تفتيشية مكونة منه وعريف محمد على دفع الله وعريف بشير محمد آدم وعريف خاطر يعقوب محمد سائق العربة وذلك بموجب أمر تفتيش صدر من قاضي المديرية لتفتيش المنازل المشبوهة بصنع الخمور في الحارة التاسعة في الثورة بيوت الصول نصر، ودخل المتهم وعريف محمد على دفع الله وعريف بشير محمد آدم في منزل المدعوة آمنة كوكو بعد أن وجدوا الباب الخارجي فاتحاُ وهناك بعيداً بقي في العربة عريف خاطر يعقوب محمد وفي داخل المنزل في المطبخ وجدوا برميلاً به المريسة وهنا نادواعلى  صاحبة المنزل المذكورة وكانت تنام مع خليلها المرحوم بشير محمد بشير في البرنده على سرير واحد وكانا عريانين بينما كانت تنام شقيقة صاحبة المنزل المدعوة نوره كوكو في الغرفة المواجهةو المجاورة للبرنده وكان ينام معها أطفالها وعلى أثر النداء للمدعوة آمنة كوكو وبعد أن علمت آمنة وخليلها أن الذين ينادون هم الشرطة جاء خليلها المرحوم مندفعاً خارج البرنده على المتهم وزميليه المذكورين وبدأ في شتمهم وسبابهم ووصفهم باللواط وسب لهم الدين واشتبك معهم في معركة عنيفة قام خلالها المرحوم بضرب المتهم وزميله وجاءت صاحبة المنزل المدعوة آمنة كوكو لتفصل فيما بينهم إلا أن المرحوم دفرها حتى سقطت على الأرض ومنعها من التدخل وأخذ المرحوم حديدة مدق كانت في حوش المنزل ورفعه تجاه المتهم ناوياً ضربه بها وكان المتهم يتراجع القهقرى ويطلب من المرحوم ترك المدق إلا أن المرحوم كان مصراً على أن يضرب به المتهم وأخيراً وجد المتهم نفسه مضطراً أن يطلق النار تجاه المرحوم من مسدسه وأصابه في صدره من الجهة اليسرى في أعلا الرئة اليسرى وأرداه قتيلاً .

    الأسباب

     اطلعنا بدقة على المحاكمة ويومية التحري ومذكرة محكمة الاستئناف ونقرر في البداية رفض شهادة صاحبة المنزل آمنة كوكو وشهادة شقيقتها نوره كوكو لعدم توفر شروط عدالة الشاهد فيهما . ليس لكل إنسان أن يشهد فتقبل شهادته وإنما الشاهد الذي تقبل شهادته هو من توفرت فيه الشروط التي صاغتها الشريعة الإسلامية بنص القران العظيم وبنص السنة  النبوية المطهرة في الأحاديث الشريفة وبما جاءت به المذاهب الإسلامية . يتعين أن يتمتع الشاهد بالصفات الواردة في المنشور الجنائي رقم 97/83 وهي شروط عدالة الشاهد والتي لا خلاف بين الفقهاء عليها عموماً وهي التي عرفها المذهب الحنبلي والذي أخذ به المنشور الجنائي المذكور تعني ( بأنها استواءاحوال ا لشخص في دينه واعتدال أقواله وأفعاله ) ولها شرطان (1) الصلاح في الدين (2) استعمال المروءة وهو إتيان ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه . ويعرف الأحناف العدالة بأنه الاستقامة على أمر الإسلام واعتدال العقل ومعارضة الهوى واجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر . ويعرف الشافعيون العدالة باجتناب الكبائر والصغائر عندهم من استجاز الإكثار من الصغائر  واستجاز أن يشهد بالزور وهو فاسق . والعدالة كما يعرفها المالكيون هي المحافظة على الدينية على اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة – التشريع الجنائي الإسلامي تأليف الفقيه عبد القادر عودة – ففي القضية المطروحة لا نستطيع أ ن نوصف صاحبة المنزل وشقيقتها بصفات الشاهد العدل المذكور للأسباب الآتية:-

    1- ثابت من البينات أن المتهم وزميليه وجدوا في مطبخ بيت المدعوة آمنة كوكو برميلاً من المريسة والثابت بإقرارها أنها تعودت على صنع الخمور البلدية ولها عدة سوابق في هذا المجال – مثل هذه المرأة  لا يمكن أن توصف بالشاهد العدل في الشريعة الإسلامية لعدم استواء أحوالها في دينها ولعدم اعتدال أفعالها .

    2- ليس هناك دليل على أن المرحوم هو الزوج الشرعي للمدعوة آمنة كوكو وباستقراء أقوالها في مرحلة التحري وفي مرحلة المحاكمة لم أجدها تدعي بأن المرحوم زوجها بل أفادت بأنه عايشها لمدة خمس سنوات وهناك إفادة شقيقتها نوره للمحكمة بأن المرحوم الزوج الشرعي لآمنة وهذه إفادة لا يعتد بها ليتمه ولعدم توفر شروط الشاهد  العدل في نوره نفسها ولذلك جاز لنا أن نقرر بان العلاقة بين المرحوم وبين آمنة كوكو علاقة غير شرعية ما يجعلها شاهد غير عدل .

    3- الثابت من الأدلة بأن نورة شقيقة آمنة جاءتها لتزورها وسكنت معها في ذلك المنزل المشبوه الذي تمارس فيه آمنة صنع المريسة والخمور البلدية وتعاشر فيه الرجال معاشرة الدعارة مما يجعل الشاهدة نوره كوكو لم تستو أحوالها في دينها أيضاً ولم تعتدل أفعالها ولذلك ليست بالشاهد العدل أيضاً .

    أما إفادة شاهد الاتهام عريف محمد دفع الله وشاهد الاتهام عريف بشير محمد آدم كانت متماسكة قوية في مرحلة التحري وفي مرحلة التحقيق قبل فتح البلاغ وفي مرحلة المحاكمة على اليمين وليس أمام المحكمة أدنى دليل يشير من بعيد أو قريب إلى أن أحدا من هذين الشاهدين لم  تتوفر فيه شروط عدالة الشاهد كما سلف بيانه .

    معلوم في القانون أنه يعد مرتكباً جريمة القتل العمد كل من يقصد الموت لآخر بفعله أو على الأقل كان يعلم أن الموت سيكون نتيجة راجحة وحتمية ومؤكدة وليست فقط محتملة لفعله .

    وإن القصد الجنائي هو حالة معنوية تستقىوتستخلص من نتيجة الفعل ويفترض في كل إنسان عاقل أن يقصد النتائج الطبيعية والعادية لفعله ومعلوم أنه عند تقدير القصد الجنائي في جريمة القتل أن طبيعة السلاح المستعمل والموضع من جسم القتيل الذي استعمل فيه السلاح وقوة الضربة أو الطعنة هي عناصر يستدل منها على وجود القصد الجنائي فإذا أخذنا في الاعتبار أن المتهم في هذه القضية المطروحة قد استعمل سلاحاً خطراً هو المسدس في قتل المتوفى وأنه اختار مكاناً جد حساس وحيوي من جسم القتيل وهو الصدر الجانب الأيسر وأن الطلق الناري أرداه في نفس اللحظة قتيلاً – لاقتنعنا على أن المتهم قد قصد تسبيب موت المتوفى وإذا افترضنا جدلاً أن المتهم لم يكن يقصد تسبيب موت  المتوفى فهو على أقل تقدير كان يعلم أن موت القتيل سيكون النتيجة الراجحة وليست فقط النتيجة المحتملة لتلك الطلقة القاتلة من العيار الناري لأن الرجل  المعقول سيصاب بدهشة بالغة إذا قيل له أن مثل تلك الطلقة بمثل ذلك السلاح في مثل ذلك الموضع من جسم القتيل لم تود إلى وفاته . عليه فإن إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م جاءت صحيحة .

    والسؤال المطروح ما إذا كان المتهم عندما ارتكب جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م كان يمارس حق الدفاع الشرعي عن جسمه تحت المادة 61(أ) من نفس القانون ومن ثم كان بريئاً بمقتضى نص المادة 55 من نفس القانون .

    ينشأ حق الدفاع الشرعي عن الجسم الذي يبرر تسبيب الموت بموجب المادة 61(أ) من قانون العقوبات لسنة 1983م إذا ما توفرت شروط معينة سنناقشها على ضوء وقائع هذه القضية .

    1-  الاعتداء من المرحوم على المتهم :

    ليس هناك حق دفاع شرعي لمن يعتدي على الآخر وصحيح كما أبان المحامي أبو قرجة في مرافعته لدى محكمة الموضوع ولدى محكمة الاستئناف بأن حق الدفاع الشرعي لن ينشأ للمتهم إذا خلق الحالة التي اضطر فيها إلى مواجهة المرحوم ولا ينشأ ذلك الحق لصالح شخص إذا كان شريكاً في المسئولية عن تفاقم الموقف الذي أفضى إلى الحادث أو كان مسئولاً عن خلق حالة المعركة وقد تواتر واستقر القضاء على هذه المبادئ ولكن في القضية المطروحة أمامنا قد ثبت لنا دون أدنى شك  بأن المرحوم هو الذي  اعتدى على المتهم فالمتهم وزميلاه بمقتضى أمر التفتيش (المرفق) والصادر من قاضي المديرية أمدرمان بتاريخ 31/12/1983م جاز لهم تفتيش منزل المدعوة آمنة كوكو من ضمن منازل صانعات الخمور البلدية الواردة في أمر التفتيش وذلك فإن تفتيش هؤلاء الشرطة  لبيت المدعوة آمنة كوكو كان له مبرره القانوني وكذلك دخول المنزل المعني ورواية هؤلاء الشرطة الثلاثة من أنهم وجدوا الباب الخارجي لبيت المدعوة آمنة فاتحاً ولم يكسروه كانت صحيحة لأن هناك ما يدعمها من الظروف والملابسات ذلك لأن المذكورة من محترفات تصنيع وبيع الخمور البلدية وهي تعلم علم اليقين بأن تلك الممارسة باتت غير مشروعة بعد أن من الله تعالى على هذه البلاد بتطبيق شريعته السمحة  ولذلك كان من الطبيعي أن تترك باب منزلها الخارجي فاتحاً ليدخل الرواد سرياً دون طرق الباب حتى لا يعلم الجيران وبالتالي لا ينفضح  أمرها لدى الشرطة . الثابت من إفادة عريف محمد دفع الله وعريف بشير محمد آدم بأنهم الثلاثة ( معهما المتهم ) بعد أن وجدوا برميل المريسة في المطبخ نادوا صاحبة المنزل آمنة كوكو لتخرج من البيت ليتم القبض عليها وأخذها على الشرطة بتهمة حيازة المريسة وعلم المرحوم الذي كان ينام معها في فراش واحد عريانين بأن الذين ينادونها هم الشرطة وبدلاً من أن يختبئ في فراشه حتى لا يقبض عليهالبوليس لتواجده فى بيت مشبوهتصنع فيه الخمره ب كميات كبيره بالبراميل وحتىلا يقبض عليه لمجامعته غير الشرعية لامرأة لا يملك الدليل على علاقته الشرعية بها – بدلاً من أن يستتر طالما أنه ابتلى نهض المرحوم متعدياً للموقف ومتحرشاً بالشرطة إلى أن يصل إليهم في جرأة وحماس خارج البرنده التي كان ينام فيها مع خليلته آمنة صاحبة المنزل وهو لم يكمل لباس بنطلونه وبقية  جسمه عارياً وليس فقط بل بدأ المرحوم يشتم ويسب الشرطة بأقذر الألفاظ ويسب دينهم الإسلامي وليس ذلك فقط بل اشتبك معهم في عراك عنيف وصفع بعضهم وضرب الآخرين وكذلك فإن الأورنيك الطبي عن عريف محمد علي دفع الله يشير على وجود تورم بسيط في الخد الأيمن و الأورنيك عن المتهم يشير إلى الألم من أثر الضربة التي وجهت له في  الجهة اليسرى  من الصدر . إن تصرف المرحوم ذاك ليس هناك ما يبرره وهو يعلم أم خليلته مجرمة بحيازة تلك المريسة وقد تدخل المرحوم في أمر لا يخصه ولم تناده الشرطة وقد تصدى لمشاكل كان هو في غنى عنها وتدخل فيما لا يعنيه ولذلك فقد كان هو المعتدي وهو الذي بادر بالعدوان والثابت من أقول عريف محمد على دفع الله وعريف بشير محمد آدم أن المرحوم أخذ في يده ( مدق ) ورفعها تجاه المتهم مهدداً إياه بالضرب وكان المتهم يتراجع عنه القهقرى طالباً منه أن يترك اعتداءه بالمدق والمرحوم يصر على اعتدائه على المتهم ويرفض استجداء خليلته صاحبة المنزل بالا يتشاجر مع الشرطة ويتحدى المتهم ويطلب منه أن يطلق عليه النار .

    2-  خشية المتهم من حدوث الموت أو الأذى الجسيم من جراء اعتداء المرحوم :

    إن الخشية تعني هنا – اعتقاد أمين وبحسن نية يدخل في قلب المدافع من أن المعتدي عليه سوف يسبب له الموت أو الأذى الجسيم – وهذا الاعتقاد تدل عليه الوقائع والظروف والملابسات التي تحيط بالحادث ساعة وقوعه .

    ففي القضية التي نحن بصددها ثابت أن المتهم شاهد أن المرحوم يحمل في يده ( مدق ) ينوي ضربه   بها وإذا كان الليل مظلماً في وقت الحادث وليس هناك قمر كما يرى المحامي أبو قرجة فإن المتهم قد يرى ما في يد المرحوم عن طريق ا لبطارية التي كان يحملها عند الدخول في المنزل أو عن طريق الإضاءة العامة المنبعثة من الجيران أو الشارع ومن علمنا القضائي نقرر ( يد المدق ) آلة خطيرة إذا ضرب بها الإنسان فهي قاتلة دون شك لثقل وزنها ولذلك وتحت تلك الظروف وذلك المشهد دخل الرعب والخشية في قلب المتهم من أن المرحوم سوف يسبب له  الموت أو على الأقل الأذى الجسيم .

    3-  قيام الخشية على أسباب معقولة :

       يتعين على المدافع أن يثبت أن لمخاوفه أساساً وأسباباً معقولة . تلك الأسباب التي تحمل الرجل المعقول في ظروف المدافع على الاعتقاد الأمين وبحسن نية بأن المعتدي أوشك أن يسبب له الموت أو على الأقل  الأذى الجسيم ومعقولية الأسباب مسألة وقائعية تستشف من الظروف والملابسات المحيطة بالحادث والمعيار ليس هو الخطر الحقيقي والاعتداء الحسي والأذى البدني . ففي القضية حكومة السودان ضد أبكر أحمد يحي مجلة الأحكام القضائية السودانية 1974 ص 217 قضت المحكمة العليا بأنه لا يشترط لنشوء حق الدفاع الشرعي وجود خطر حسي  ويكفي لنشوئه  مجرد وجود خوف معقول من حدوث الخطر على المدافع وفي قضية حكومة السودان ضد طه هارون إبراهيم مجلة الأحكام القضائية  السودانية  9711 قضت المحكمة العليا بأن نشوء  حق الدفاع الشرعي عن  النفس لا يتطلب بالضرورة حدوث الأذى بل ينشأ بمجرد  التخوف على أسباب معقولة ولا يشترط أن يكون الاعتداء حقيقياً بل يكفي أن يكون تصورياً على وشك الوقوع ومبنياً على أسباب معقولة وقالت :

    " ولما كان هذا الحق مبنياً على المبدأ الذي يلزم الشخص بمساعدة نفسه بالا يتطلب منه أن ينتظر مكتوف اليدين على أن يصاب بالأذى بل عليه أن يبادر بدرء الخطر قبل وقوعه "

    ففي القضية المطروحة برغم أن المرحوم لم يسبب للمتهم أي نوع من الأذى عندما أطلق عليه النار إلا أن المتهم بفعله ذاك كان يمارس حقه في الدفاع الشرعي عن نفسه لأن خشيته من أن المرحوم سوف يسبب له الموت أو الأذى الجسيم كانت تقوم على أسباب معقولة .إن الرجل المعقول في ظروف المتهم لخشي ذلك أيضاً لأن المرحوم وهو يحمل ذاك المدق كان في حالة تهيج وعراك عنيفين ولن يتردد لحظة في ضرب المتهم لولا أن المتهم كان أسرع منه .

    إن المرحوم كان في بيت خليلته التي كان قبل لحظات يمارس معها الجنس وكانت هي نفسها تقف في ذلك المشهد وكان المرحوم يرفض توسلاتها بالا يتشاجر مع الشرطة وتحت تلك الظروف أراد المرحوم أن يستعرض قوته ورجولته أمام خليلته لينتقم لها من هؤلاء الذين في نظره – تعدوا على بيتها وكان يضرب هذا ويصفع ذاك وفي حضورها – هذه الظروف التي أحاطت بالموقف بعثت الرعب والخوف فى قلب المتهم من أنه أحيط بخطر وشيك الوقوع من جانب المرحوم بهذه الحديدة ( المدق ) الآلة الخطيرة .

    لا تقف هذه المحكمة مع المحامي أبي قرجة على رأيه بأن المتهم لم يكن تحت خوف معقول لأنه أفاده لأنه أراد أن يضرب المرحوم على يده فطاشت الطلقة على صدره ونقول إن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً ولولا أن المتهم كان خائفاًُ خوفاً معقولاُ لما حاول أن يعطل يد المرحوم .

    لا نتفق مع المحامي أبي قرجة على رأيه من أن وجود  زميلي المتهم وهما من رجال الشرطة الذين تلقوا تدريباً عسكرياً ينفي وجود الأسباب المعقولة لخشية المتهم ذلك لأن زميلي المتهم كانا في تلك الحالة خائفين أيضاً من أن يسبب لهما المرحوم الأذى في حالة محاولتهما القبض عليه بالطرق العسكرية وشعورهما  بذلك الخوف زاد من خوف المتهم مما حدا به للدفاع عن نفسه ونشير إلى قضية حكومة السودان ضد صلاح سعيد عبد الحميد المجلة القضائية السودانية 1974 ص 433 التي تشابه لحد كبير قضيتنا المطروحة فقد قضت المحكمة ببراءة المتهم برغم وجود زميله معه عندما أراد القبض على المرحوم في مقابر فاروق ليلاً ووجدت المحكمة أن خشية  المتهم كانت على أسباب معقولة .

    إذا وافقنا أبا قرجة جدلاً من أن المتهم لم يكن يعلم ماذا كان يحمل المجني عليه في يده بسبب الظلام فإنا ما زلنا نرى أن ذلك لا ينفي الأسباب المعقولة التي بني عليها  المتهم خوفه من أن يسبب له المرحوم الموت أو الأذى الجسيم لأن المتهم على الأقل رأي أ وأحس بأن المرحوم التقط شيئاً من الأرض أو فى يده شيئا من أي وسيلة من وسائل المواصلات التي تستعمل لنقل الركاب والبضائع. في أي من هذه الأحوال لا يشترط وجود صاحب المال أي لا يشترط حيازته الفعلية للمال بل يكفي أن يكون المال موضوعا داخل المبنى أو الخيمة أو السفينة أو وسيلة المواصلات وكلها في رأيي إحراز كتلك التي تكلم وأسهب في الكلام عنها فقهاء المذاهب رغم اختلافهم في اعتبار ما هو حرز وما هو غير حرز.

    لا تعتبر السرقة حدية إذا كان المال المتقوم تقل قيمته عن النصاب. كان داخل الشنطة عشرون صنفاً من أصناف المتاع. كان بها ملابس جديدة وأخرى مستعملة وكان بها صحون وشباشب وفتيل عطر وبن وخلافه. وكل هذه أموال متقومة وقد قدر شاهد الإثبات الرابع وهو خبير بتثمين الأشياء قيمتها وهي كلها جديدة بمبلغ 187.500ملم ج وقدر قيمتها الحالية بمبلغ 118.500 مليم ج وهذا المبلغ الأخير يتجاوز قيمة النصاب الذي حدده المنشور الجنائي رقم 86/1983 الصادر من رئيس القضاء بموجب المادة 308(أ) من قانون الإجراءات الجنائية والذي حدد النصاب بما قيمته مائة جنيه سوداني.

    لتقوم البينات في هذه القضية نبدأ بما جاء في المادة(15) من قانون الإثبات لسنة 1983 التي أعطت القاضي حق تقدير البينات والأخذ منها بما يراه محققاً للعدل والمادة 27 من نفس القانون عرفت الشهادة بأنها البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشرة لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء ومواجهة الخصوم فلقد أدلى الشهود جميعهم بشهادتهم أمام محكمة الموضوع وفي حضور المتهم. شاهد الاتهام الثالث رأى المتهم بأم رأسه وهو يحرك الشنطة ويأخذها من داخل البص ويخرج بها منه وشاهد الاتهام الرابع رأى المتهم وهو يحمل الشنطة في يده بعد أن خرج بها من البص وهما شاهدان عاقلان مميزان مدركان للوقائع التي شهدا بها (المادة 28 إثبات) وأن ما رأياه يدخل في صميم عملهما حيث أنهما رجلا مباحث كانت مهمتهما وقت وقوع الحادث مراقبة السوق الشعبي.

    المادة 78(2) من قانون الإثبات نصت على أن سائر جرائم الحدود تثبت بشهادة رجلين كما تثبت عند الضرورة بشهادة رجل وامرأتين أو أربع نسوة. المتهم يواجه جريمة حدية ولذا كان لابد أن يثبت جرمه بشهادة شاهدين يكونا قد أدركا إدراكاً مباشرا واقعة السرقة. وأرى أن هذا الشرط مهم قد تحقق في قضيتنا هذه. إذ أن شاهد الاتهام الثالث رأى المتهم يأخذ الشنطة من داخل البص وينزل بها وأنه ألقى القبض بمجرد نزوله وأنه أخذه توا لزميله شاهد الاتهام الرابع – الذي كان يقف قريبا من البص وأن الأخير أكد أنه شاهد المتهم وهو يحمل الشنطة في يده كما أن شاهد الاتهام الثاني وهو صاحب الشنطة المسروقة أفاد بأنه ترك شنطته فوق مقعد البص ونزل ليشرب شاياً وأنه عندما عاد لمكانه داخل البص لم يجدها وأخيرا وجدها موضوعة أمام المتهم الذي كان – مقبوضا عليه بواسطة شاهد الاتهام الرابع.

    على ضوء ما سلف فإنني أجد جريمة السرقة الحدية قد ثبتت ضد المتهم بكل عناصرها الشرعية ووفق الأدلة الشرعية.

    العقوبة:

    تعاقب الشريعة جريمة السرقة الحدية بالقطع لقوله تعالى( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ما كسبا نكالاًَ من الله)المائدة(38) والحد هو العقوبة المقدرة حقا لله تعالى. ومعنى العقوبة المقدرة أنها محددة معينة فليس لها حد أدنى ولا حد أعلى ومعنى أنها حق الله تعالى لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة. وتعتبر العقوبة حقاً لله في الشريعة الإسلامية كلما استجوبتها المصلحة العامة وهي دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم.

    وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق عندما يقدم على السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره ليرتاح من عناء الكد والعمل وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع نكالاً بمرتكب الجريمة لكي لا يعود إليها مرة أخرى وتخويفاً للآخرين عن إتيان مثل فعله.

    الفقرة الرابعة من المنشور الجنائي رقم 89/1983 حدد موضع القطع وهو أن تقطع اليد اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع أو الرسغ وبعد أن نما إلى علم السيد رئيس القضاء أن أحد المحاكم قد أصدرت حكماً بقطع اليد وأمرت بتعليقها في عنق المحكوم عليه وأخال أن القضية التي بين أيدينا هي القضية المعنية.

    أصدر الملحق رقم(1) للمنشور الجنائي رقم 89/1983. وجاء في الملحق المشار إليه أنه على الرغم من أن تعليق اليد بعد قطعها يجد سنده في الفقه الإسلامي إلا أن المنشور رقم 89/1983 لم يأخذ بهذا الرأي وسكت عن موضوع تعليق اليد المقطوعة على عنق المحكوم عليه وأعتبر الملحق أن أي أمر بعد تنفيذ القطع يعتبر تزيدا لا مبرر له. وعليه فإن قرار محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء أمر تعليق اليد على العنق قد جاء متمشياً مع نص وروح المنشور وملحقه وأنني أرى أن قطع يد السارق في حضور طائفة من المؤمنين وفق ما نصت عليه الشريعة فيه الغناء كل الغناء لتحقيق الجزاء والردع المطلوبين.

    أورد المنشور الجنائي رقم 98/1983 المسقطات التي يدرأ بها حد السرقة الحدية بعد ثبوتها ولا تنطبق أي حالة من الحالات التي أوردها المنشور على المتهم كما لا ينطبق عليه نص المادة 323 من قانون العقوبات التي نصت على أنه لا قطع في السرقة بين الأصول والفروع والمحارم ولا بين الزوجين ولا قطع على من تقوم لصالحه شبهة بالملك.

    على ضوء كل ذلك أقرر وتأييد قطع يد المتهم اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع.

    وأمر:

    1- أويد قرار محكمة الاستئناف المؤيد لقرار القاضي الجزئي القاضي بإدانة المتهم محمد الزاكي تحت المادة 322 من قانون العقوبات كما أويد العقوبة الصادرة ضده بقطع يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع.

    2- أويد قرار محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء أمر تعليق اليد بعد قطعها على عنق المحكوم عليه.