الموسوعة السودانية للأحكام والسوابق القضائية
  • بحث:
  •   بحث محدد
علي عثمان النو ضد محمد عثمان النو
[رجوع]
نمرة القضية:م ع/ط م/53/1983م
المحكمة:/
العدد:1983

المبادئ:
  • قواعد العدالة – الشخص المرخص له- بناؤه في العقار- حقه في السكن أو التعويض. التعويض – قيمة المباني والمنشآت – تقديرها وقت الحرمان من السكن أو الانتفاع. أو وقت جلب البينة.
  • إجراءات مدنية – الاستئناف – الحكم للخصم بالطلب البديل دون الطلب الأصيل – أثره- المادة 175.
  • قانون التقادم المكسب للملكية والتقادم المسقط للملكية لسنة 1928- دعوى تعديل سجل العقار بناء على الائتمان العائد عدم سقوطها بالتقادم – المادة 12.
  • 3- إذا شيد المرخص له بالسكن بناء في العقار يكون صاحب رخصة مصحوبة بحق إنصافي في السكن في ذلك البناء أو التعويض في حالة إنهاء الرخصة.
    4- تقدر قيمة المباني والمنشآت من أجل التعويض عن إنهاء الرخصة نوقت حرمان المرخص له من السكن أو الانتفاع إذا تم ذلك الحرمان بمجرد إنهاء المالك للرخصة أما إذا تم الحرمان بواسطة المحكمة تقدر تلك القيمة وقت جلب البينة التي تثبتها.

    1- إذا حكم للخصم بالطلب البديل دون طلبه الأصيل لا يعتبر ذلك الخصم قد قضى له بكل طلباته طبقاً للمادة 175 إجراءات مدنية، ولذلك يحق له استئناف الحكم طالباً القضاء له بالطلب الأصيل.

    2- دعوى تعديل سجل العقار بناء على الائتمان العائد لا تسقط بالتقادم طبقاً للمادة 12 من قانون التقادم المكسب والتقادم المسقط لسنة 1928.

    الحكم:

    المحكمــة العليــــا

    علي عثمان النو                                                     الطاعن

                                        ضــد

    محمد عثمان النو                                                    المطعون ضده

    (م ع/ط م/53/1983م)

    الحكـــم

    27 ذو القعدة 1405هـ

    13/8/1985م

    القاضي عبد  الوهاب المبارك :-

    هذان طعنان مقدمان ضد حكم محكمة استئناف الإقليم الأوسط والذي صدر بتاريخ 4/12/1982 متعلقاً بالدعوى رقم ق.م.عليا 5/77 في محكمة ودمدني الجزئية.

     المدعى عليه في الدعوى المذكورة هو المسجل كمالك لحكر مدته  عشرون سنة تبدأ من 1/3/1954 للقطعة موضوع النزاع وهي القطعة رقم 141 مربع 194 مدني ومساحتها 400 متراً مربعاً. وقد شيد المدعى عليه بناء على تلك القطعة وصل لحدود الشبابيك وتوقف فأكمل بناء المنزل.

    الدعوى أقامها المدعي في 13/2/1977، وهي أنه في سنة 1954 أرسل للمدعى عليه مبلغ 30 جنيه لكي يدخل المزاد ويشتري له قطعة أرض تسجل باسمه (أي اسم المدعي)، وأن المدعى عليه تقدم نيابة عنه ومنح القطعة موضوع النزاع، وأن المدعى عليه قام بتسجيل القطعة في اسمه. بناء على ذلك طالب المدعي بتعديل سجل القطعة لاسمه وأبدى استعداده لدفع أية مبالغ مستحقة للمدعى عليه، أو بأن يحكم له (للمدعي) بمبلغ 3000 جنيه هو قيمة ما شيده من مبان على القطعة.

    في الرد على الدعوى دفع محامي المدعى عليه مبدئياً بأن حق المدعى عليه قد سقط بالتقادم لمرور أكثر من عشرة أعوام على تسجيل القطعة في اسم المدعى عليه. وفي الموضوع أنكر الدعوى ودفع بأن ما شيده من بناء كان بتوكيل من المدعى عليه وبمال المدعى عليه.

    سمعت محكمة الموضوع قضية كل من الخصمين ثم أصدرت حكمها في 26/10/1983 برفض طلب المدعي الأصلي وحكمت له بتعويض قدره مبلغ 2093ج باعتباره قيمة المباني التي شيدها على القطعة موضوع النزاع.

    استأنف كلا الخصمين ذلك الحكم لمحكمة الاستئناف التي شطبت الاستئنافين ايجازياًُ. ثم تقدم الخصمان بهذين الطعنين – الطعن رقم ط م/53/1983 من قبل المدعي والطعن رقم ط م/54/1983 من قبل المدعى عليه.

    محامي المدعي يقول في طعنه بأن محكمة الموضوع أخطأت حيث رفضت الحكم بتغيير السجل لصالح المدعي، وأن محكمة الاستئناف قد أخطأت حيث رفضت استئناف المدعي مستندة إلى ان محكمة الموضوع قضت بكل طلباته ولذلك لا يحق له الطعن في حكمها.

    عليه يرى محامي المدعى عليه أن محكمة الموضوع أخطأت في تقدير قيمة المباني التي شيدها. وأنه كان من الخطأ تقدير قيمة المباني حسب سعر السوق سنة 1980 مع أن المباني أقيمت في سنة 1954 والدعوى أقيمت في سنة 1977 كذلك رأى المحامي أن محكمة الاستئناف لم توفق حين رفضت التدخل في حكم محكمة الموضوع مستندة على أن تقدير التعويض أمر تنفرد به محكمة الموضوع ولا تتدخل فيه السلطة الاستئنافية.

            فيما يلي رأي هذه المحكمة في النزاع.

            أولاًَ: لم تكن محكمة الاستئناف محقة في رفضها لاستئناف المدعي استناداً للمادة 175 من قانون الاجراءات المدنية. وقد طبقت محكمة الاستئناف المادة المذكورة على أساس أن محكمة الموضوع حكمت للمدعى بالطلب البديل (التعويض) وبذلك أصبح المدعي في حكم من قضى له بكل طلباته. الصحيح أنه حينما يطالب الخصم في دعواه بالحكم له بطلب أصلي بطلب احتياطي بديل عن الطلب الأصلي فإن ذلك الخصم لا يعد في حكم من قضى له بكل طلباته إذا حكم له بالطلب البديل دون الطلب الأصلي. أن القول بأن الخصم قضى له أو لم يقض له بكل طلباته يتوقف على صياغة الخصم لمطالبه. فإذا تبين منها أن المطالب كلها متساوية في نظره وأنه سيقبل بأي منها فإنه يكون في حكم من قضى له بكل طلباته لو قضى له بأي من تلك المطالب. ولكن الوضع لا يكون كذلك إذا تبين من قضية الخصم أنه يطلب طلباً أصليا ثم يطلب على سبيل الاحتياط طلباً بديلاً أو مطالب بديلة إذ لم يتيسر له الحصول على حكم بالطلب الأصلي. هنا يحق للخصم أن لم يحكم له بالطلب الأصلي. لقد فسرت المادة 175 بأنها تنطبق على الحكم الذي يحقق للخصم كل مقصوده، وأن الخصم لا يتحقق له كل مقصوده إذا حكم له بالطلب الاحتياطي دون الطلب الأصلي.

            أرجع في هذا إلى مؤلف د. ناندلال في شرح قانون الإجراءات المدنية الهندي صفحة 1586 وإلى مؤلف أبو الوفا في التعليق على قانون المرافعات المصري الجديد صفحة 469.

            في هذه القضية يتح من قراءة الدعوى الأصلية ثم الدعوى المعدلة ومن الشهادة التي أدلى بها المدعي أنه يطالب في الأصل وفي المقام الأول بتعديل السجل لاسمه فإن لم يكن ذلك فإنه يطالب بالتعويض. لذلك فإن الحكم له بالتعويض لم يقض له بكل طلباته حسب المعنى الذي قصدت إليه المادة 175. هذا فضلاً عن أن المدعي إنما حكم له بجزء من وليس بكل التعويض الذي طالب به على سبيل الاحتياط.

            أنتقل بعد هذا الإقرار بعض الوقائع التي يلزم بينها أولا لغرض الفصل في هذا النزاع. وقد وجدت هذه المحكمة بقراءتها للمحضر أن المدعي والمدعى عليه إخوان شقيقان وأن المدعي كان في سنة 1954 يعمل بأم درمان فأرسل لوالدته بود مدني مبلغ 30 جنيه لكي تدخل مزادا لبيع الأراضي وتشتري له قطعة أرض. كلفت الوالدة أختها لكي تقوم بذلك وأعطتها مبلغ 22 جنيه تسلمها المدعى عليه من خالته وذهب معها للمزاد وقام بشراء القطعة موضوع النزاع ودفع مقابل ذلك مبلغ 25 جنيه و 480 مليم وسجل عقد الحكر باسمه.

            وهنا لابد أن أقف لأوضح أن محكمة الموضوع كانت قد وجدت أن المدعى عليه قد دفع المبلغ المذكور من ماله هو وليس مال المدعى عليه واستندت المحكمة في ذلك أساسا إلى أن المدعى عليه قدم بينة مكتوبة في ذلك الخصوص يجب أن ترجح على بينة المدعي الشفوية. البينة المكتوبة التي عنتها المحكمة هي تسجيل الأرض في اسم المدعى عليه وإيصال مستخرج باسم المدعى عليه يفيد أن المدعى عليه دفع ثمن الأرض موضوع النزاع. لم تكن محكمة الموضوع مصيبة في هذا الذي قررته وكان لابد من تدخل هذه المحكمة للوصول للاستنتاج الصحيح المتفق مع القانون. لقد قدمت بينة واضحة (وأهمها شهادة والدة الطرفين على اليمين) تفيد بأن المدعى عليه تسلم مبلغ 22 جنيه من مال يخص المدعي. وأنه (المدعى عليه) كلف بالذهاب للمزاد بغرض شراء قطعة أرض للمدعي. وما كان ينبغي أن ترجح المحكمة على هذه البينة ما جاء في المستندين اللذين استندت إليهما المحكمة لصالح المدعى عليه. ذلك أن بينة المستندين رغم أنها مكتوبة انما تشكل قرينة وليست بينة مباشرة أو قاطعة على أن المدعى عليه دفع ثمن الأرض من ماله الخاص. صحيح أن الإيصال يشير إلى أن المدعى عليه أكمل مبلغ 22 جنيه الذي يخص المدعي إلى مبلغ 25 جنيه و 480 مليم ولكن الثابت أن المدعي رغم غيابه كان هو المشتري الحقيقي للأرض موضوع النزاع وأن المدعى عليه كان وكيلاً عنه في عملية شرائها وأن الجزء الأكبر من ثمن الشراء كان من مال المدعي.

            اكتشف المدعي بعد مدة من شراء الأرض موضوع النزاع أنها سجلت في اسم المدعى عليه فسأله عن ذلك وفسر الأخير الأمر بأن التسجيل في اسم المدعي لم يكن ممكناً بسبب غيابه. تدخلت والدة الطرفين لانهاء النزاع وتم الاتفاق بينهما على أن تسجل القطعة باسم المدعي وأن يشترك الاثنان في بناء القطعة لتكون منزلاً يسكن فيه الاثنان. بالفعل تم بناء القطعة باشتراك الطرفين ولكن نشأ خلاف بينهما بعد ذلك أدى إلى هذه القضية.

            في ضوء الوقائع المبينة أعلاه فإنني أرى أن القطعة موضوع النزاع كانت أمانة لدى المدعى عليه لصالح المدعي منذ وقت شرائها وتسجيلها في اسم المدعى عليه.

         وذلك على أساس أن المدعي هو المشتري ودافع الثمن للقطعة المذكورة.وإعمالاً لمبدأ الامانة الراجعة فإن السجل القطعة يجب أن يعدل بحيث يكون المدعي هو صاحب الحكر ما دام قد طالب بذلك. إن مبدأ تعديل السجل على أساس الأمانة الرجعة مبدأ أقره قضاؤنا واصبح راسخاً منذ أمد بعيد. وهو مبدأ إنصافي يهدف إلى منع الإثراء بلا سبب وإلى أن تؤدى الأمانة إلى أهلها.

            فيما يتعلق بسقوط حق المدعي بالتقادم أصابت محكمة الموضوع حين قررت هذه المسألة لصالح المدعي ولكن قرارها قام على أساس خاطئ. فقد استندت المحكمة على المادة 4(3) من قانون التقادم لسنة 1928 (الملغي ولكنه يحكم هذا النزاع)، المادة المذكورة تتعلق بالتقادم المكسب.

            من الواضح أن المحكمة ومحامي المدعي خلطا بين التقادم المكسب والتقادم المسقط للتقادم المعني هنا هو التقادم المسقط حيث دفع به المدعى عليه في مواجهة دعوى المدعي. وفي اعتقادي أن الدفع به لم يكن في محله. ذلك لأن المادة 12 من قانون التقادم المشار إليه تنص على أنه "بالرغم من أحكام هذا القانون لا يجوز لأي شخص يحوز نقوداً أو أية أشياء لها قيمة نقدية بصفة ائتمانية نيابة عن أي شخص آخر أن يكسب بالتقادم أي حق فيها ضد ذلك الشخص الآخر ولا يسقط الحق المتعلق بها في مواجهة الشخص الذي تكون حيازة هذه النقود أو الأشياء له أو لمصلحته".

            الجزء الأخير من نص المادة المذكورة أعلاه هو الذي يحكم مسألة التقادم التي أثيرت في هذه القضية. والحكمة في هذا النص هي ألا يتمكن الشخص الذي يكون مؤتمنا على مال أن يكتسب ذلك المال بالتقادم مهما طالت المدة.

            وفي اعتقادي أن الشخص الذي يحتفظ بما أو يسجل مال في اسمه على سبيل الأمانة الراجعة يعتبر مؤتمناً على ذلك المال وحائزاً له بصفة ائتمانية في معنى النص الذي أشرت إليه. ويتحتم على ذلك الشخص أن يرجع ذلك المال لصاحبه الحقيقي وبما أننا قد قررنا أن المدعى عليه كان محتفظاً بالقطعة موضوع النزاع على سبيل الأمانة الراجعة فإنني أرى أنه لا يحق له أن يدفع بأن حق المدعي في استرداد تلك القطعة قد سقط بالتقادم.

            عليه وطالما وجدنا أن القطعة موضوع النزاع هي ملك للمدعي فإن المباني التي أقيمت على تلك القطعة سواء تلك التي أقامها المدعي أو التي أقامها المدعى عليه أصبحت أيضاً وبحكم الالتصاق ملكاً للمدعي. الاتفاق الذي تم بين الطرفين لم يعط للمدعى عليه ملكية في الأرض أو في المباني ولكنه (أي الاتفاق) أعطى المدعى عليه نوعاً من الحق يتعين علينا أن نحدد طبيعته وأن نقرر ما هي نتائجه إزاء هذا النزاع.

            قد يتبادر إلى الذهن أن الحق الذي اكتسبه المدعى عليه حق انتفاع ولكنه ليس كذلك وإن كان شبيها له.

            حق الانتفاع كما عرفته المادة الثانية من قانون التملك بمرور الزمن لسنة 1928 (الملغي ولكن بحكم هذه القضية) هو حق الاستعمال والتمتع بأرض يملك رقبتها الغير. وفي اعتقادي أن هذا النص يعني أنه لكي يكون شخص آخر غير مالك رقبة الأرض مالكاً لحق الانتفاع بتلك الأرض لابد أن تبقى لمالك الرقبة ملكيتها المجردة أي ألا يكونه مشاركاًُ بأي حال في الانتفاع بالأرض. الاتفاق الذي تم بين الخصمين في هذه القضية لم يعط حق الانتفاع كله للمدعى عليه ولم يعطه حق الحيازة الخالصة Exclusive possession للأرض موضوع النزاع.  حقيقة الاتفاق هي أن يبقى المدعي في أرضه وأن ينتفع بها وأن يبقى معه المدعى عليه ويشاركه ذلك الانتفاع. في مثل هذا الموقف يعتبر الشخص المشارك في الانتفاع والحيازة صاحب رخصة slicencee ممنوحة له من قبل صاحب الأرض. وإذا سمح صاحب الأرض للمرخص له بأن يقيم بناء على الأرض (كما هو الحال في هذا القضية) فإن الرخصة لا تكون مجردة وانما تصبح رخصة مصحوبة بحق إضافي licence coupled with an equity.

            هذا هو التكييف الذي وصل إليه القضاء الإنجليزي. (أرجع إلى قضية)

    Brrington V. Brrington (1952) I Ad. R. R. page 149

     وإلى قضية                        Juwards V. Bakar  (1965) I A el H. H. page 446

            ولقد وافقت المحاكم السودانية على هذا التكييف ورأت أن حق المرخص له هنا يشبه حق السكن العرفي الذي تنص عليه المادة 27(ج) من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925.

            حكم القضاء الإنجليزي في القضيتين المشار إليهما بأعلاه بأن الحق الانصافي المضاف للرخصة يعطي صاحب الرخصة الحق في أن يظل ساكناً في البناء الذي أقامه طالما كان حياً أو طالما أراد أن يظل ساكناً. وذلك استناداً إلى أن صاحب الأرض قد وعد المرخص له بأنه سيظل ساكناً ولا يجوز لصاحب الأرض أن يخلف ذلك الوعد القضاء السوداني خالف القضاء الإنجليزي في هذا الخصوص ورأى أنه من أجل تحقيق العدالة لصاحب الأرض وصاحب الرخصة معاًَ أن تكون الرخصة قابلة للإنهاء على أن يعوض صاحب الرخصة عن ذلك الإنهاء تعويضاً معقولاً رؤي أنه ما يعادل قيمة ما شيده صاحب الرخصة من مبان أو منشآت على الأرض.

            من القضايا السودانية التي عالجت مثل هذا الموقف قضية محمد عثمان الحسن ضد أحمد المصباح المنشورة في المجلة القضائية لسنة 1966 صفحة 73. في هذه القضية تم اتفاق بين المدعي (وهو مالك الأرض الساقية) وبين المدعى عليه أن يقوم الأخير بحفر بئر وإقامة طلمبة على الأرض وأن يكون له الحق في أن يزرع نصف الأرض وأن يبني فيها لمصلحته.

            حدث خلاف بين الطرفين وأقام المدعي دعوى ضد المدعى عليه طالباً بإخلائه من الأرض. حكمت محكمة الاستئناف العليا بأن العلاقة بين الطرفين ليس علاقة شراكة. ورأت المحكمة استناداً إلى أن الاتفاق الذي بينهما لم يسجل أن  للمدعي عليه حقاً انصافياً وليس قانونياً، وأن ذلك الحق يمكن إنهاؤه بإخلاء المدعي عليه على أن يدفع له المدعي ما أنفقه على أرض النزاع.

            صدر حكم مشابه لهذا الحكم من محكمة الاستئناف العليا في قضية ورثة أم جادين خليل ضد عابدين مرجان المنشورة في المجلة القضائية لسنة 1968 صفحة 38، وقد قالت المحكمة في حكمها أن ليس من العدل أن يحرم المالك من حقه في حيازة أرضه والانتفاع بها إلى أجل غير محدد.

            أنظر أيضاً قضية أحمد عمر عجبين ضد ورثة عمر عجبين المنشورة في المجلة القضائية لسنة 1976 صفحة 476.

            الرأي عندي أن محاكمنا كانت موفقة فيما وصلت إليه في هذا الخصوص، وأضيف من جانبي إلى ما استندت إليه تلك المحاكم أن أبعاد المرخص له عن أرض النزاع أمر مناسب في مثل هذا الموقف. لأن من الراجح أن تحدث أو تتكرر المضايقات أو الاشتباكات بين الخصمين إذ بقي المرخص له في الأرض رغم أنف مالكها.

            المسألة الأخيرة التي ينبغي علينا الإجابة عليها هي مسألة التاريخ الذي يتم على أساسه تقدير قيمة المباني التي شيدها المدعي باعتبارها التعويض المستحق له. والإجابة في تقديري هي أن المباني (أو أية منشآت أخرى) يجب أن يتم تقديرها لأغراض التعويض في مثل هذه القضية حسب قيمتها وقت حرمان المرخص له من السكن أو الانتفاع بتلك المباني أو المنشآت. فإذا تم ذلك الحرمان بمجرد إنهاء المالك للرخصة أي إذا نتج عن ذلك الانتهاء أن أوقف المرخص له استخدامه للرخصة فتوقف عن السكن في المباني أو عن استغلال الأرض بأية طريقة فإن تاريخ ذلك التوقف هو الذي تحسب قيمته المباني أو المنشآت بناء عليه. أما إذا لم يتم الحرمان بتلك الصورة وطرح النزاع أمام المحكمة فإن المرخص له لا يعتبر محروماً من رخصته إلا عند صدور حكم المحكمة بإنهاء تلك الرخصة. ولكي تتمكن المحكمة من إصدار حكمها بالتعويض للمرخص له في نفس الوقت الذي تحكم فيه بأنها رخصته فإن التعويض يجب أن  يقدر على أساس قيمة المباني وقت تقديم البينة التي تثبت تلك القيمة. تلك في رأيي هي الطريقة العملية والمناسبة أيضاً، على اعتبار أن حكم المحكمة يفترض فيه أن يصدر فور سماع تلك البينة أو بعدها بوقت قصير وبالتالي لن يكون هنالك فرق يذكر بين التقدير وقت سماع البينة وبين وقت صدور الحكم.

            بناء على ما سبق تقريره تقر هذه المحكمة أن من حق المدعي بوصفه مالك القطعة موضوع النزاع أن ينهي رخصة المدعي عليه بالسكن في القطعة أو الانتفاع بها. (تراعى المحكمة أن الخصمين شقيقان وأن المدعي لم يطالب صراحة بإخلاء المدعى عليه من القطعة موضوع النزاع).

            فإذا رأى المدعي أن ينهي الرخصة ويخلي المدعي عليه فإن على محكمة الموضوع أن تصدر الحكم بذلك لصالحه وعليها أن تحدد نقطة نزاع هي:-

            كم هي القيمة الحالية للمباني التي أقامها المدعي عليه على القطعة موضوع النزاع وعلى المحكمة أن تسمع ما يمكن أن يقدم من بينه للإجابة على هذه النقطة. هذا ما لم يتفق الخصمان فيما بينهما على تقدير لتلك القيمة. على المحكمة إذا اتفق الخصمان على قيمة المباني أو بناء على ما يقدم لها من بينة في هذا الخصوص أن تصدر حكمها بأن يدفع المدعي تلك القيمة تعويضاً للمدعى عليه.